مجلة إسكندرية

أحمد علام يكتب... أنت القاتل الخفي

يداوي الدواء المرض العضال ، والذي استفحل بالجسد بطريقة ما ، و يتعاظم أمامه الإعتلال النفسي حيث يتباين التكوين الدوائي مع النسيج النفسي ، فلا يجد له طريق لشفاءه المنوط به سوى نفس جنسه وهو الذات والإرادة ، اللذان بهما تقوم النفس و تنهض ، وبهما تنهار وتسقط في براثين المستنقعات ، و لا جدوى لأي تدخل خارجي فكل نفس عزيزة تأبى أي تغيير بها يأتي من الخارج، حيث لا تعترف إلا بالمسارات الداخلية وأي إشارة من غيرها مردودة بحكم الخليقة .

 

جبلت النفس على ما يرضيها، وقلما تتراجع للوراء لترك حيزا من الفراغ تتمدد فيه نفس أخرى ، ولا يمر وقت ليس بكثير حتى تفرض سطوتها على ذلك الفراغ التي تنازلت عنه ، استحياء وليس رضا ، فالنفس متوجة على عرشها لا ترى في الوجود غيرها، و تتلمس ما تراه لتشهره من ضمن ممتلكاتها ، ولا تعتد إلا بخالقها أما ما دونه فهو مباح منتهك حدوده لا تعترف به إلا عندما تطمئن لوجوده داخل سياجها خاضع لها خضوع العبد السيد .

 

تتربص النفس من كل ما يحيط بها من نفوس وأشياء ، ويكأن الجميع تآمروا على الفتك بها ، وهي تنزوي في ركن بعيد من الكون تبكي اللحظات ، و تنسج خيوط عنكبوتية حولها لعلها تنجو من الكل ، وتذهب للمجهول حيث لا صوت ولا شجر ، حتى ترتعد أطرافها من هول ما تتصور، وتستدعي كل آلامها لتساهم في تعميق شعورها بالعجز المطبق ، الذي لا فرار منه إلا بتدمير كل من يحيط بها وتتربع وحدها على عرش المكان والزمان.

 

تنعقد جلسة المحاكمة وتبدأ الجلسة بسماع الإدعاء ، وهو يكيل الإتهامات نحو المدعى عليه، بكل ما أوتي من قوة ودلائل الإدانة ويسهب في فصاحة غير مسبوقة ليقطع عليه كل طريق للعودة، ولا بأس من تسول التعاطف معه لتنصب اللعنات عليه ، و المطالبة يأقصى العقوبة كي يكون رادع لغيره ، ولا يدري أنه هو نفسه الذي ارتكب كل هذه الجرائم في حق غيره وأبدا لم يتوانى لحظة في تدمير كل فضائل نفسه، و تدنيس كل محراب لها ، فليس ثمة دليل إلا ويشير ولا أحد يشعر إلى أنك أنت القاتل الخفي .

أخبار متعلقة :