أخبار متعلقة :
المهندس يوسف الدالى يكتب ....السيادة الرقمية لمصر
تتمثل السيادة الرقمية لمصر في قدرة الدولة على التحكم المستقل في بنيتها التحتية التكنولوجية، وتأمين البيانات الوطنية، وحماية خصوصية المواطنين. تسعى مصر لتعزيز هذا المفهوم من خلال توطين التقنيات، دعم البدائل والكوادر المحلية، وسنّ تشريعات لتنظيم تداول البيانات ضمن استراتيجية التحول الرقمي. وفي عالم يشهد تحولًا رقميًا متسارعًا، أصبح مفهوم السيادة الرقمية محورًا رئيسيًا في النقاشات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لا تقتصر السيادة الرقمية على سيطرة الدولة على بنيتها التحتية التكنولوجية فحسب، بل تشمل أيضًا قدرتها على حماية بياناتها، وضمان خصوصية مواطنيها، والتحكم في التدفقات الرقمية عبر حدودها، مع تزايد الاعتماد على التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والحوسبة السحابية وتُعتبر البيانات "النفط الجديد" في الاقتصاد العالمي، وحماية هذه البيانات تُشكل ركيزة أساسية للسيادة الرقمية، مع تزايد حالات اختراق البيانات، مثل هجوم ** WannaCry** الذي أثر على 200 ألف ضحية في 150 دولة (2017)، أصبحت الحكومات تُدرك ضرورة سن قوانين صارمة لتنظيم تخزين البيانات ومعالجتها، على سبيل المثال، أقر الاتحاد الأوروبي اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) في 2018، والتي تفرض عقوبات تصل إلى 4% من إيرادات الشركات المخالفة، مما جعلها نموذجًا يُحتذى به عالميًا. وتبدأ حكاية السيادة الرقمية (السيبرانية) من أمور تبدو للوهلة الأولى تقنية جافة: كابلات بحرية تمتدّ آلاف الكيلومترات، ومراكز بيانات تُبردها أنهار، ونظم أسماء المجال السيبراني (DNS) والتي تربط اسم الموقع الإلكتروني بعنوانه الرقمي. وفوق هذه الأرضية تعمل السحابة الرقمية، والمنصّات العملاقة، ومتاجر التطبيقات، وأنظمة الذكاء الاصطناعي. وبين كل طبقة وأخرى هناك نقاطُ خنقٍ حرِجة تمثل عنق الزجاجة، وأدوات تصميم الرقائق الإلكترونية والتي من دونها لا تُصمَّم شرائح، ومعدات تصنيع متقدّمة لا يبيعها سوى قلّة، ومعايير تقنية من يكتبها يربح السوق لاحقاً. هنا بالضبط تتجسّد السيادة الرقمية: أن تكون صانعاً للقاعدة لا مجرد مستخدمٍ لها. كيف تتحول الخوارزميات إلى أداة استبداد رقمي ؟ الخوارزميات في جوهرها هي مجموعات معقدة من التعليمات البرمجية التي تحدد كيفية معالجة البيانات واتخاذ القرارات الرقمية بسرعة وكفاءة.. لكنها ليست مجرد أدوات تقنية محايدة تُشغّل بالبرمجة.. بل تعكس في تصميمها هندسات تجارية وسياسية وثقافية توجه سلوكها ونتائجها تعتمد الخوارزميات على نماذج تحليلية متطورة تُسمى “نماذج التعلم الآلي” حيث تُدرّب على كميات هائلة من البيانات بهدف اكتشاف أنماط وسلوكيات المستخدمين.. هذه البيانات تشمل معلومات شخصية، تفضيلات، عادات تصفح، تفاعلات اجتماعية، وحتى محتوى مولّداً من المستخدمين. يتم تصنيف هذه البيانات، تنظيمها، وربطها لتشكيل “ملفات تعريف رقمية” دقيقة لكل مستخدم، تسمح بتخصيص المحتوى والإعلانات بشكل فعال لإبقائه مشغولًا ومتفاعلًا. بالتالي، تصنع الخوارزميات ما يشبه «آلة إنتاج المعنى» الرقمية، تتحكم ليس فقط بالمعلومات التي تصل إلى المستخدم، بل بطريقة فهمه وتفاعله مع العالم، وهذا التأثير يمتد إلى تشكيل ذاكرته الجماعية وهويته السياسية والاجتماعية، حيث تُعيد إنتاج أنماط الهيمنة في شكل رقمي جديد، ما يعزز تأثير الشركات الكبيرة ويُعيق قدرة المجتمعات على التحكم بمصيرها الرقمي. و تخوض مصر مسيرة شاملة ومتسارعة نحو التحول الرقمي لبناء "مصر الرقمية"، وهي رؤية استراتيجية تهدف إلى تحويل الخدمات الحكومية، والبنية التحتية، والمعاملات المالية والتشغيلية إلى منظومات ذكية تعتمد بالكامل على التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي لرفع كفاءة الأداء وتعزيز الشمول المالي. فيما يلي نظرة شاملة على أبرز محاور وإنجازات التحول الرقمي في مصر والمستجدات الحالية: 1. الاستراتيجية الوطنية الثانية للذكاء الاصطناعي (2025–2030) تأكيداً على أهمية ريادة تكنولوجيا المستقبل، أطلقت مصر استراتيجيتها الوطنية الثانية للذكاء الاصطناعي، والتي تركز على: • بناء اقتصاد قائم على المعرفة وتوطين التكنولوجيا المتقدمة. • استهداف تدريب نحو 30 ألف متخصص في مجال الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030 لتعزيز الكفاءات البشرية. • دمج الذكاء الاصطناعي في مجالات الرعاية الطبية، التخطيط، وإدارة الموارد. 2. رقمنة المنظومات الحكومية والمستندات (بيئة عمل بلا أوراق) تنتقل قطاعات الدولة تدريجياً وبشكل كامل إلى الأنظمة الإلكترونية، ومن أبرز معالم هذا التحول مؤخراً: • قطاع الطيران والمطارات: بدء التطبيق الكامل لمنظومة التحول الرقمي وإدارة المحتوى المؤسسي إلكترونياً (مثل القابضة للمطارات والملاحة الجوية)، بهدف إلغاء التداول الورقي تماماً والاعتماد على منصات إدارة المحتوى والمستندات والبريد الإلكتروني الموحد، وتفعيل منظومات "ERP" لربط الإجراءات المالية والتشغيلية. • منصة مصر الرقمية والمحول الرقمي الحكومي: تفعيل الربط والتكامل بين كافة جهات وقواعد بيانات الدولة لتيسير المعاملات وإتاحة الخدمات إلكترونياً للمواطنين. 3. التحول الرقمي في التخطيط القومي (تعداد مصر 2027) يجري التجهيز حالياً لربط البنية التكنولوجية وتطوير التطبيقات الخاصة بالتعداد العام للسكان والإسكان والمنشآت لعام 2027، بالتعاون بين وزارة الاتصالات والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، من خلال: • توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي (مثل تحويل الصوت إلى نص) لتسهيل إدخال البيانات وتحليلها بدقة. • استهداف رفع نسبة العد الذاتي للمواطنين إلى 50% عبر الإنترنت لتقليل التكلفة الورقية والزمنية. 4. حوكمة قطاع النقل والمحليات رقمياً يمتد التحول الرقمي ليخدم المواطن في تفاصيل حياته اليومية، حيث يتم العمل حالياً على: • إدخال الحلول الرقمية لتطوير وحوكمة منظومة النقل الجماعي (سيارات الميكروباص والسرفيس) في المحافظات. • الاعتماد على أدوات تكنولوجية تتيح المتابعة والرقابة والتحليل اللحظي لخطوط السير والمواقف. • التوسع في وسائل الدفع الإلكتروني الحديثة لتحصيل الأجرة، مما يساهم في تقليل التكدسات وتعزيز الشمول المالي. 5. ركائز الأمن السيبراني والوعي الرقمي مع هذا التوسع الهائل في الاعتماد على الرقمنة وقواعد البيانات المترابطة، تضع الدولة ملف الأمن السيبراني وحماية البيانات والتوعية بالمخاطر الرقمية كركيزة أساسية لحماية الأمن القومي والاقتصادي. ويشمل ذلك تطوير أنظمة الحماية ضد البرمجيات الخبيثة، ومكافحة الاحتيال الرقمي (مثل اختراقات المدفوعات "Ghost Tap" أو التصيد الإلكتروني)، لضمان بيئة رقمية آمنة وموثوقة للمواطنين والمؤسسات على حدٍ سواء. وتتحرك الدولة المصرية بخطوات متسارعة ومتكاملة لتحقيق هذا الهدف من خلال عدة محاور استراتيجية: ١. حوكمة البيانات والتشريعات السيادية • قانون تصنيف وإتاحة البيانات: يجري إعداد قانون متكامل لتصنيف وإتاحة وتداول البيانات لأول مرة، والذي يهدف إلى تنظيم حوكمة البيانات الحساسة وتحديد ما يمكن مشاركته وما يجب حظر تداوله لحماية الأمن القومي. • قانون حماية البيانات الشخصية: حجر الأساس لمنع استغلال بيانات المواطنين المصريين من قبل جهات خارجية وتحديد أطر صارمة لتخزين ومعالجة البيانات داخل الحدود الوطنية. ٢. السيادة في الذكاء الاصطناعي وبناء النماذج الوطنية • النموذج اللغوي الضخم "كرنك": تم تطوير هذا النموذج اللغوي بواسطة مركز الابتكار التطبيقي ليعكس الهوية المصرية والثقافة العربية، بهدف تقليل الاعتماد على النماذج الغربية وتجنب التحيز الثقافي والسياسي، وهو خطوة حاسمة في تحقيق السيادة المعرفية والرقمية. • الصدارة الأفريقية: قفزت مصر 60 مركزاً منذ عام 2019 في مؤشر جاهزية الحكومة للذكاء الاصطناعي (Oxford Insights) لتصنف في المرتبة الأولى أفريقياً. ٣. البنية التحتية الحوسبية ومراكز البيانات العملاقة • تتبنى مصر رؤية طموحة لجعل البلاد مركزاً إقليمياً وعالمياً للبيانات والاتصالات، مستغلة موقعها الجغرافي الفريد ومرور كابلات الألياف الضوئية البحرية عبر أراضيها. • التوسع في إنشاء مراكز بيانات عملاقة ومؤمنة حيوياً وتكنولوجياً (Data Centers)، لضمان استضافة الحوسبة السحابية الحكومية والخاصة داخل مصر وتجنب الاعتماد على سحابات حوسبية تقع تحت طائلة قوانين دول أخرى. ٤. توطين الصناعات الرقمية وتعميق المكون المحلي • توطين صناعة الإلكترونيات والهواتف: تتواجد الآن نحو 15 علامة تجارية تقوم بالتصنيع المحلي في مصر، مع استهداف تخطي إنتاج 15 مليون جهاز محمول بنهاية عام 2026، بنسبة قيمة مضافة محلية تتجاوز الـ 40%. • تنمية الصادرات الرقمية (التعهيد): الوصول بالصادرات الرقمية العابرة للحدود إلى مستهدف 6 مليارات دولار، مما يعزز الاستقلال الاقتصادي الرقمي. ٥. الأمن السيبراني وحماية البنية التحتية الحرجة • تأمين التحول الرقمي الشامل (مثل منصة مصر الرقمية ورحلة المواطن داخل الخدمات الحكومية) عبر منظومات دفاع سيبراني متقدمة قادرة على صد الهجمات المعقدة وحماية المنشآت الحيوية (كالطاقة، الاتصالات، والمراكز القيادية). • الاهتمام بـ العنصر البشري وبناء القدرات الذاتية، حيث تستهدف الدولة تدريب وتأهيل مئات الآلاف من الشباب سنوياً في مجالات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وهندسة البيانات لتقليل الفجوة الرقمية والاعتماد على الخبرات الأجنبية. خلاصة القول: السيادة الرقمية لمصر هي خط الدفاع الأول في القرن الحادي والعشرين؛ فالسيطرة على البيانات، وتوطين التكنولوجيا، وبناء القدرات الذاتية في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، هي الضمانات الحقيقية لعدم رهن الإرادة الوطنية للمؤثرات والتقلبات الجيوسياسية العالمية و بشكل عام، لم يعد التحول الرقمي في مصر مجرد رفاهية تكنولوجية، بل تحول إلى استراتيجية سيادية متكاملة لإعادة صياغة كفاءة إدارة الدولة وتطوير الاقتصاد الرقمي وصادرات التعهيد.