أخبار متعلقة :
المواطنة السكندرية.. عندما يعيد المتحف اليوناني الروماني إحياء روح مدينة الحضارات
بقلم: د. هدى الساعاتي وكيل نقابة الصحفيين بالإسكندرية في زمن تتسابق فيه المؤسسات الثقافية لتقديم أنشطة تقليدية، نجح المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية في تقديم فكرة جديدة ومختلفة، تجمع بين التاريخ والهوية والانتماء، من خلال مبادرة "المواطنة السكندرية" التي أطلقتها إدارة المتحف برئاسة الدكتورة ولاء عبد العاطي، مديرة المتحف، بمشاركة فريق العمل الذي أثبت أن المتحف لم يعد مجرد مكان لحفظ الآثار، بل أصبح مؤسسة ثقافية نابضة بالحياة، تصنع الوعي وتبني الانتماء. استوقفتني هذه المبادرة كثيرًا، ليس فقط لأنها مبتكرة، بل لأنها تمس جوهر الشخصية السكندرية، تلك الشخصية التي تشكلت عبر آلاف السنين من التفاعل بين الحضارات والثقافات المختلفة، حتى أصبحت الإسكندرية نموذجًا عالميًا للتسامح والتنوع والتعايش. إن فكرة منح الزائر "بطاقة المواطنة السكندرية" ليست مجرد بطاقة رمزية، بل رسالة ثقافية عميقة تؤكد أن الانتماء إلى الإسكندرية ليس مرتبطًا بمكان الميلاد فقط، وإنما بالإيمان بقيم المدينة، واحترام تاريخها، والحفاظ على تراثها، والإيمان بالتنوع الذي ميزها منذ نشأتها. وتستحق الدكتورة ولاء عبد العاطي وكل العاملين بالمتحف اليوناني الروماني كل الإشادة على هذا الفكر المتجدد الذي نجح في جذب رواد المتحف، وخاصة الشباب والأطفال، للمشاركة في تجربة تفاعلية تجمع بين المعرفة والمتعة، وتجعل الزائر جزءًا من الحكاية، وليس مجرد متلقٍ للمعلومات. ولعل ما يميز الفكرة أنها تستند إلى جذور تاريخية راسخة؛ فالإسكندرية في العصرين اليوناني والروماني كانت من أعظم مدن البحر المتوسط، وكانت المواطنة السكندرية تحمل قيمة استثنائية. فقد كان الانتماء إلى المدينة يمنح صاحبه مكانة اجتماعية وقانونية مرموقة، لما تمتعت به الإسكندرية من امتيازات اقتصادية وتجارية وعلمية جعلتها من أهم مدن العالم القديم. وفي العصر البطلمي، ثم خلال الحكم الروماني، كانت الإسكندرية مدينة ذات طابع عالمي، يعيش فيها المصريون واليونانيون والرومان وغيرهم من الشعوب، ولكل فئة حقوقها وواجباتها وفق القوانين السائدة آنذاك. وكانت المواطنة السكندرية تعد من أرفع صور الانتماء المدني، لما وفرته من مكانة وامتيازات، ولارتباطها بمدينة احتضنت مكتبة الإسكندرية القديمة، والموسيون، وكبار العلماء والفلاسفة، وأصبحت منارة للعلم والثقافة. لقد كانت الإسكندرية نموذجًا مبكرًا لما نسميه اليوم المواطنة القائمة على التعددية والتعايش، وهو المفهوم الذي نجحت إدارة المتحف في إعادة تقديمه بروح معاصرة، ليصبح وسيلة لتعزيز الهوية الوطنية، وترسيخ قيم قبول الآخر، والانفتاح، وحماية التراث. كما أن ربط هذه المبادرة بفعاليات العيد القومي للإسكندرية، وبأنشطة مثل "خمسيناتي"، والمحاضرات التاريخية، والورش الفنية، يعكس رؤية متكاملة تؤكد أن الاحتفاء بالمدينة لا يكون بالاحتفالات وحدها، وإنما بإحياء ذاكرتها، وتعريف الأجيال الجديدة بقيمتها الحضارية. إن المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية يقدم اليوم نموذجًا يُحتذى به في كيفية توظيف التراث لخدمة المجتمع، وتحويل التاريخ إلى تجربة إنسانية وثقافية يعيشها الزائر بكل تفاصيلها. تحية تقدير للدكتورة ولاء عبد العاطي، مدير المتحف اليوناني الروماني، ولكل العاملين بالمتحف الذين أثبتوا أن الإبداع في العمل الثقافي لا يقل أهمية عن الحفاظ على الآثار، وأن بناء الإنسان يبدأ من تعريفه بجذوره وتاريخه، لأن الإسكندرية ستظل دائمًا مدينة الحضارات، وعاصمة للتنوع، ونموذجًا للمواطنة التي تتجاوز الحدود، وتجمع البشر تحت راية الثقافة والمعرفة والإنسانية.