أخبار متعلقة :
عاصم صبحي يكتب..علي مقهي حرب
أراك الآن ممسكاً بهاتفك المحمول ، في مكان ما ، و تضع بجانبك مشروبك المفضل . تتصفح صفحتك الشخصية علي موقع التواصل الاجتماعي " فيس بوك " . استوقفك مقالي هذا ؛ ربما لأنك قارئ متميز مثقف ، تقرأ كل ما يتيسر لك قراءته ، من باب الثقافة العامة ، أو قد يكون أثار عنواني فضولك ، فشرعت في القراءة لفك طلسم العنوان . في كلا الحالتين ، أنت قارئ شغوف بالقراءة ، و التصفح ، و الاطلاع . لكن قبل أن تقف علي المقال ، و قبل أن تبحر في سطوره ، التي بدأت الكلمة تلو الكلمة تستدرجك لتغوص في أعماقه ، و لعلك بالغ قراره ، بالتأكيد كنت تشاهد مقطع فيديو ، أي كان محتواه ، أو تقرأ منشور لأحد أصدقائك ، بصرف النظر عن مضمونة ، ساخر كان أو جاد ، سياسي أو اجتماعي ، ثقافي أو اقتصادي . أنت تستهلك وقتك الفارغ ، و تحاول أن تملأه ، بمتابعتك و تصفحك لصفحتك الافتراضية . تطلع علي كل ما هو جديد " تريند " و غريب ، فكاهي و حزين ، عميق و سطحي عابر . لا زلت معي ، لم تفقد شغفك في القراءة ، بدأ موضوعي يجذبك ، بدأت الآن تتتوق لمعرفة مغزي الكلام و مرامه . " مقهي حرب " هو احدي المقاهي المشهورة بمنطقة " كامب شيزار " في الاسكندريه . تعود التسمية " حرب " لصاحبه و مؤسسه الحاج حسين حرب ـ رحمه الله ـ . يوازي في شهرته بالمنطقة شهرة " حمودة " و " والي " و " بالميرا " . يديره الآن أحفاد حرب ، بخفة و حنكة و خبرة أولاد البلد . يقومون علي خدمة أكل عيشهم بكل روح طيبة بشوشة . هناك ، و علي رصيف امتداد المقهي ، أجلس أنا ، مع صحبة من الأصدقاء و الأقارب ، جلسة أصحاب المكان ، فنحن زبائن قديمة ، و أغلبنا كان يقيم بالمنطقة ، و كان من رواد مقاهي كامب شيزار ، فجميعها يعرفنا ، إن لم نكن جميعاً ، لواحد أو اثنان ، نحن أصحاب مطرح . في جلستنا هذه ، و بعد القيل و القال ، و الحكي ، و انشغال البعض بلعب الطاولة ، أو الدومينو ، و أنا لست من اللاعبين ، بل من المتفرجين ، المتأملين . أضع هاتفي جانباً ، فإذا بي أتصفح صفحتي الشخصية في الحياة . يمر بائع شاب متجول ، بضاعته بسيطة ، قد تكون جوارب ، أو عطور ، أو تشكيلة متنوعة من الاحتياجات الشخصية الخفيفة المتواضعة . يعرض بضاعته علي استحياء ، بكلام و جمل متراصة ، محاولا أن يبدو محترف و مهذب . لا يبيع الكثير ، بل أقل القليل ، فالحالة الاقتصادية التي دفعته للنزول إلي الشارع ، و التجول بين المقاهي و التجمعات ، عارضا بضاعة رخيصة الثمن و الجودة ، بدلاً من الجلوس عاطلاً ، هي الحالة الاقتصادية ذاتها ، التي منعت الكثير بل و الغالبية من أن يشتري حتي مثل هذه البضاعة الرخيصة المتواضعة . تمر سيدة مسنة ، يبدو عليها الوقار ، و ترمي علي مسامعك جملة " و الله بربي يتامي " ، بصوت هادئ مسكين في غير تكلف أو اصطناع ، تلقي تعاطف الكثيرين ، و يفتح الله لها قلوب الناس قبل جيوبهم . في الشارع ، و حيث تقاطع شارعي طيبة و اسماعيل الفنجري ، تري العجب العجاب ، سيارات تمر ، في كل الاتجاهات . كذلك الموتوسيكلات يمينا و يسارا ، و أحياناً علي الرصيف . قد يمر موتوسيكل مسرع بالتقاطع ، و يصادف مرور سيارة ، فتضع يدك علي قلبك من هول المشهد ، الذي كاد أن يودي إلي كارثة ، لكن الله سلم ، و هكذا مشاهد كثيرة ، و الله يسلم ، أو قدر الله و ما شاء فعل ، و حصل خير بسيطة . علي الناصية ، يقف مجموعة من الشباب ، دون العشرين ، كلّ علي دراجته البخارية ، يتبادلون الحديث ، قد يضحكون بصوت عال ، و قد تنشب بينهم خناقة ، في ثوان تسمع الصيحات و الشتائم ، و المجموعة تتكاثر و تتضاعف ، و يا فلان يا علان ، بذاءة و ألفاظ نابية ، و أحياناً أسلحة بيضاء . يقطع هذه التأملات قدوم شخص معرفة أو صديق ، صادف مروره ، يسلم و يجلس ، و يفتح الحوار بيننا ، فإذا بنا نستعرض أحوالنا الاجتماعية ، و الاقتصادية ، و الرياضية ، و الثقافية إن وجدت . نتبادل ما قرأناه و سمعناه و شاهدناه ، من معلومات و أخبار ، علي صفحات التواصل الاجتماعي المختلفة . أسمعت هذا الخبر ؟ ، يقولون أن أسعار الوقود سترتفع . أشاهدت فيديو فضيحة الممثلة الفلانية؟ ، سوف أرسل إليك منشور علي الماسنجر أو الواتس أب عن خبر فيضان نيبال ، و حرائق الجزائر ، و و و . يستأذن أحدنا من الآخر و يمضي إلي حال سبيله ، علي وعد بلقاء ، تاركين أثر بلا شك ، لدي بعضنا البعض . كذلك فعلت بي جلستي علي مقهي حرب . و الآن بعد أن وصلت إلى السطور بل الكلمات الأخيرة بهذا المقال ، لا شك أنك فهمت مقصدي ، فالحياة الاجتماعية ، و الاختلاط بالناس ، فيهما نماذج حية ، ملموسة ، واقعية ، لما تجده من أخبار و منشورات و فيديوهات علي مواقع التواصل الاجتماعى ، بل إن لها ميزة لا تتوفر علي الواقع الافتراضي ، و هو المعايشة . تفاعلك مع الناس في الواقع يكسبك الخبرات بتفاصيلها ، تتراكم التجارب لتستوي أنت و تنضج ، علي عكس الواقع الافتراضي ، فهو وحده المؤثر فيك ، و أنت متلقي لا حول له و لا قوة . الحياة الحقيقية تعاش بالأقدام التي تطأ الأرض ، و الأيدي التي تلامس الوجوه ، لا بالأصابع التي تتنقل بين الشاشات ، فالافتراض يعطيك شبيها بالحياة ، أما الواقع فهو الحياة ذاتها .