مجلة إسكندرية

الأستاذ الدكتور السيد السيد وجيه الإسكندرية عروس المتوسط عبر العصور : فخر مثقفي الثغر

 

العالم الجليل

الأستاذ الدكتور / السيد السيد وجيه

 

الإسكندرية "عروس المتوسط" عبر العصور: فخر مثقفي الثغر
بقلم العالم الجليل 
الأستاذ الدكتور/السيد السيد وجيه

لمن يريد أن يتثقف!!!

لماذ يفتخر السكندريون بمدينتهم الإسكندرية دون باقي المدن!!!

ولماذا لا يحب غير السكندري أن يسمع هذه الحقيقة!!!

إنها الإسكندرية التي بجوار مصر يا سادة!!!

في التاريخ الحديث، كان دخول مدينة الإسكندرية يحتاج إلى تصريح مرور رسمي (جواز سفر داخلي أو أذن دخول) خلال فترة الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918)، وتحديداً عقب إعلان الحماية البريطانية على مصر وتطبيق أحكام الأحكام العُرفية.

​وتعود تفاصيل وأسباب ذلك إلى ما يلي:

​1. موقع الإسكندرية الإستراتيجي في الحرب العالمية الأولى
​أصبحت الإسكندرية قاعدة عسكرية وبحرية رئيسية لليوش والحلفاء (القوات البريطانية وقوات أسترالية ونيوزيلندية "الأنزاك")، ومقرّاً للمستشفيات العسكرية ومخازن المؤن، خاصة خلال حملة "غاليبولي" (جاناكالي) عام 1915.

​2. فرض الأحكام العُرفية وتنظيم الحركة ​لحماية المقرات العسكرية والأنشطة البحرية من أي أعمال جاسوسية أو اضطرابات:
​
- قُيِّدت حركة الدخول والخروج من وإلى المدينة عبر خطوط السكك الحديدية  
  والطرق البرية.

- ​أُنكِر على المواطنين غير المقيمين دخول المدينة إلا بعد الحصول على 
   تصريح أمني خاص يُصدره القائد العسكري أو إدارة الشرطة العسكرية 
   البريطانية بالتنسيق مع الداخلية المصرية آنذاك.

​- خضعت محطة مصر (محطة القطارات) والنقاط التفتيشية على أطراف  
  المدينة لمراقبة مشددة للتحقق من هوية القادمين وأسباب الزيارة.
​  محطات تاريخية أخرى شهدت قيوداً على الدخول:

​فترة الحملة الفرنسية (1798): عقب فرض نابليون بونابرت السيطرة على المدينة، أُقيمت بوابات ونقاط حراسة مشددة على أسوار الإسكندرية، وكان الدخول والخروج يخضع لإذن الحامية الفرنسية لمنع تسلل الثوار أو الإمدادات العثمانية.

​أعقاب قصف الإسكندرية (1882): خلال الاحتلال البريطاني ولمنع عودة الأهالي الذين فروا أثناء القصف ولضبط الأمن داخل المدينة المحترقة، 
فرضت القوات البريطانية نظام التصاريح لفترة وجيزة.

تتميز الإسكندرية عبر التاريخ بمزيج فريد بين المركزية الحضارية والعلمية قديماً، والهوية الثقافية والمعمارية المتنوعة حديثاً، مما جعلها ذات شخصية استثنائية مقارنة بأي مدينة أخرى على البحر المتوسط:

​1. عاصمة العلم والمعرفة في العالم القديم
​    المكتبة القديمة (المكتبة العظمى): كانت أول مكتبة حكومية عامة في  
    التاريخ تهدف لجمع كل علوم العالم، وضمت مئات الآلاف من لفائف 
    البردي.

    ​المجمع العلمي (الـ Mouseion): خرج منه كبار علماء التاريخ الذين غيروا 
    المفاهيم العلمية، مثل إقليدس (مؤسس الهندسة)، وإراتوستينس (أول 
    من حسب محیط الأرض بدقة)، وأريستارخوس (أول من اقتَرَح أن الأرض  
    تدور حول الشمس).

​    فاروس (منارة الإسكندرية): إحدى عجائب الدنيا السبع القديمة، والتي 
    ظلت لقرون رمزاً للملاحة والتطور الهندسي.

​2. الكوزموبوليتانية والنسيج السكاني المتعدد
​    في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، كانت  
    الإسكندرية حاضنة لمجتمعات عالمية متعددة (يونانيون، إيطاليون، أرمن، 
    فرنسيون، شوام، ويهود) عاشوا جميعاً جنباً إلى جنب مع المصريين.
    ​انعكس هذا التنوع على الحياة اليومية، والمطاعم، والمقاهي، واللغات  
    المنطوقة في شوارع المدينة.

​3. العمارة والتخطيط العمراني المميز
​    التخطيط الشطرنجي (الهيبودامي): خططها المعماري "دينوقراطيس"       
    بأمر من الإسكندر الأكبر على نظام الشبكة المتعامدة، وهو نظام متطور 
    بالنسبة لزمانه.

​    الطراز المعماري الأوروبي والسكندري: تنتشر في أحيائها (مثل محطة       
    الرمل، والعطارين، والمنشية، وكفر عبده) مبانٍ مصممة وفق طرز الفن   
    الحديث (Art Nouveau)، والنيو-كلاسيك، والإيكليكتية (الانتقائية) التي 
    مزجت بين الفن الأوروبي واللمسات الشرقية.

​4. حراك ثقافي وأدبي عالمي ومحلي
​   كانت مصدر إلهام لأعظم أدبا العالم الذين عاشوا فيها وكتبوا عنها، مثل   
   الشاعر اليوناني قسطنطين كفافيس، والروائي البريطاني لورنس داريل  
   (صاحب رباعية الإسكندرية)، ولورد بايرون.

​   أدبياً وفنياً في مصر، مثلت الإسكندرية عاصمة الوجدان في أدب نجيب  
   محفوظ، وأشعار فؤاد حداد وأحمد فؤاد نجم، وألحان سيد درويش، وسينما 
   يوسف شاهين.

​5. ثقافة البحر والمجتمع السكندري
​    الطابع الساحلي الخاص: تميزت بطريق الكورنيش الممتد الذي أعاد       
    تشكيل علاقة المدينة بالبحر، وثقافة "المقاهي الساحلية" والتجمعات 
    الأدبية والفنية.
    ​اللهجة والمصطلحات: يمتلك أهل الإسكندرية مفردات وتراكيب لغوية 
    خاصة تميزهم عن باقي المحافظات، معتمدة على الإيقاع السريع والتأثر 
    بالكلمات الأجنبية الموروثة من الجاليات القديمة.

تميزت الأزياء في الإسكندرية عبر تاريخها بتنوع لافت، حيث انعكست الطبيعة الساحلية والكوزموبوليتانية (المتعددة الثقافات) للمدينة على ما يرتديه أهلها، وسجلت الأزياء السكندرية حضوراً خاصاً يجمع بين الأصالة الشعبية والأناقة المتوسطية:

​أولاً: الأزياء النسائية (الحريمي):

​1. الملاية اللف والبرقع (الزي الشعبي التقليدي)
    ​تُعد "الملاية اللف" أيقونة الهوية السكندرية الشعبية في القرن العشرين:
   ​التصميم والأسلوب: قطعة قماش سوداء واسعة (غالباً من الحرير أو    
   القطن الثقيل) تُتكتك بحرفية وتُلف حول الجسد بطريقة مائلة تبرز القوام  
   بذكاء دون إبداء التفاصيل، وتُحكم الإمساك بها اليد من الداخل.
   ​البرقع والبيشة: يُغطي الوجه برقع خفيف مشدود على قطعة معدنية      
   تزين الأنف (تُسمى "القصبة")، مع إبراز العينين المكتظتين بالكحل   
   والأنشاص السكندرية.
   
   ​الحلي والأكسسوارات: اقترن هذا الزي بـ "الخلخال" الرنان في القدم،   
   والأساور الذهبية المتعددة ("الكرادلة" و"الغوايش")، وتزيين الشعر بوردة   
   أو ياسمينة خلف الأذن تحت غطاء الرأس.

​2. الموضة الأوروبية في الأحياء الراقية
   ​ في المقابل، شهدت أحياء مثل كفر عبده، وجناكليس، ورشدي، والمنشية  
    نمطاً أفرنجياً خالصاً لدى أبناء الجاليات والأسر المصرية الميسورة:
    ​الفساتين والقبعات: ارتداء أحدث صقلاوات الموضة الباريسية والإيطالية    
    (الفساتين ذات الخصر المحدد، التنورات المتوسطة الطول "الميدي"،      
    والأقمشة الخفيفة المناسبة للطقس الساحلي).
    ​الإكسسوارات: قبعات القش والأقمشة الملونة لحماية الوجه من شمس      
    البحر، والنظارات الشمسية، والقفازات القماشية أثناء الخروج الصباحي     
    والتنزه على الكورنيش أو في النوادي.

​ثانياً: الأزياء الرجالي

​1. الزي الشعبي (الفتوات والبحارة والصيادين)
​    في الأحياء القديمة مثل بحري، والأنفوشي، واللبان، ساد مظهر رجالي يعبر     
    عن الفتوة والعمل البحري:

   ​السروال والقميص الفضفاض: بنطال واسع (سروال) يعلوه قميص قطني،  
   أو الجلابية الإسكندراني (تتميز بياقة قصيرة وقصة مريحة تسمح بالحركة).
   ​الصديري: سترة قصيرة بلا أكمام يُرتدى فوق القميص، وغالباً ما يُصنع من  
   أقمشة ثقيلة أو مزخرفة بخيوط بسيطة.

​   غطاء الرأس: "الطاقية" الشبكية الخفيفة لدى الصيادين، أو "الفأس/التكية"     
   المتصلة بالشال، وصولاً إلى الطربوش للموظفين والتجار في العصور  
   المبكرة.

​الحزام العريض: حزام جلدي عريض يُربط حول الخصر، كان يُستخدم أحياناً لحمل أدوات العمل أو النقود.

​2. الإفرنجي والأناقة المتوسطية
​
تأثر الرجال في الإسكندرية بالذوق الإيطالي واليوناني في الخياطة (Sartoria):
​
البدلة الصيفية الخفيفة: استخدام أقمشة الكتان (Linen) والقطن الأبيض  والبيج والأزرق الفاتح لمواجهة الرطوبة والحرارة.

​بدلات البحارة والرياضة: انتشرت قمصان "السترايب" (المخططة بالأزرق والأبيض)، والقبعات البحرية (Captain Caps)، والأحذية الخفيفة المخصصة للتنزه والرياضات البحرية ونشاطات اليخوت.
​
الطربوش ثم البدلة الكاملة: في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كان الجمع بين البدلة الغربية الكلاسيكية (ذات القماش المقلم) والطربوش الأحمر هو السمت الرسمي لرجال الأعمال، والأكاديميين، وكبار الموظفين.

​البُعد الثقافي الممتد
​هذا التباين والتكامل بين "الملاية اللف والجلابية السكندراني" في بحري والأنفوشي، وبين "السترات الكتان والأناقة الباريسية" في محطة الرمل وكفر عبده، هو ما أعطى الإسكندرية طابعها البصري المثير، وجعل أزياءها مادة غنية للسينما المصرية والروايات الأدبية التي وثقت تحولات المدينة.

الأناقة السكندرية لم تكن مجرد اتباع لأحدث صيحات الموضة القادمة من باريس أو ميلانو، بل كانت فلسفة حياة وأسلوب عيش (Art de Vivre) تشكلت بفعل جغرافية المدينة، وهواء البحر، والتنوع الطبقي والثقافي الذي أثراها.

​تميزت هذه الأناقة بملامح خاصة جعلتها حاضرة في المقاهي، المتنزهات، الشوارع، وحتى في الحركة والحديث:

​1. الأناقة المتوسطية: رفاهية البساطة (Casual Elegance)
​    بخلاف القاهرة التي غلب على أحيائها الراقية الطابع الأورستقراطي  
    الكلاسيكي الصارم، كانت أناقة الإسكندرية أكثر انطلاقاً ومرونة بسبب   
    طبيعتها الساحلية:

    ​خامات البحر: سادت الأقمشة الطبيعية الخفيفة مثل الكتان الناصع 
    (Linen)، القطن الجازار، والحرير الخفيف.

   ​الألوان: اعتمدت الباليت السكندرية على الأبيض، درجات البيج، الأزرق 
   البحري (Navy Blue)، والألوان الهادئة (Pastel) التي تعكس أشعة الشمس 
   وتتناغم مع لون البحر.

​  القصّات المريحة: فساتين الصيف الهدلة، التنانير الواسعة المكسرة  
  (Pleated skirts)، والسترات الرجالية الخفيفة غير المبطنة التي تجمع بين  
  الوقار والراحة أثناء المشي على الكورنيش.

​2. ثقافة "التأنق للمناسبة" (Dressing for the Occasion)
​   كانت الأناقة في الإسكندرية مرتبطة بالطقوس اليومية، ولكل وقت ومكان 
   دستوره في الملبس:

​جولة الصباح والكورنيش: قبعات القش العريضة للسيدات لحماية البشرة، النظارات الشمسية ذات الإطارات الكلاسيكية، والأحذية الخفيفة القماشية أو الجلدية المفتوحة.
​
الأندية الرياضية والسباحة: تميزت أندية مثل نادي الصيد، ونادي اليخت، والسبورتنج بأزياء خاصة للرياضة والإبحار؛ قمصان مخطط خطوطاً بحرية (Breton stripes)، وبنطال أبيض ناصع، وسويترات صوفية خفيفة تُلقى على الكتفين في أماسي الخريف.

​سهرات المساء الأوبرا والصالونات: كان الذهاب إلى مسرح زيزينيا أو أوبرا الإسكندرية (سيد درويش) أو الحفلات الموسيقية والصالونات الأدبية يتطلب التزاماً تاماً بالبدلات الداكنة للرجال (Tuxedo) وفساتين السهرة المطرزة بحرفية للسيدات.

​3. الأناقة الشعبية: كبرياء وتنسيق متفرد
​
لم تكن الأناقة حكراً على الأحياء الراقية، بل امتلكت الأحياء الشعبية (كبحري والأنفوشي) مفهومها الخاص والمبهر عن الأناقة:

​دلال الملاية اللف: الأناقة في الملاية اللف لم تكن في قطعة القماش ذاتها، بل في "الطيّة" وحركة السير، وتناسق الخلخال مع حذاء الكعب العالي ("الماركاسيت")، والمزج بين الكحل العربي والعطر بلسمك الثقيل.
​هيبة الرجال: كانت الجلابية السكندرية المصنوعة من الكشمير أو القطن الموصلي تُفصّل بدقة متناهية لدى خياطين متخصصين، مع اهتمام بالغ بنظافة القمحة، وتناسق الشال، وصقل الحذاء الجلدي.

​4. الإكسسوارات والعطور: التفاصيل هي الجوهر
​
   العطور: كان العطر السكندري يميل في الصيف إلى النفحات الحمضية  
   والزهرية الخفيفة المستوردة، بينما تفضل الجلسات المسائية العطور 
   الخشبية والدافئة.

​   المجوهرات: انتشر الفن اليدوي في تصميم الصاغة، حيث دمجت السيدات  
   بين قطع الذهب الإيطالي الحديث، والحلي المطعمة بالصدف والأحجار  
   الكريمة ذات الطابع المتوسطي.

​5. "الديناميكية" والسلوك (Attitude)
​   الأناقة السكندرية لم تكن تقتصر على الملابس، بل كانت طريقة في     
   المشي، ونبرة الصوت، ولغة الجسد. كان هناك اعتزاز فطري بالنفس، وخفة 
   ظل ممزوجة بتهذيب وبساطة في التعامل، جعلت السكندري يبدو دائماً 
   أثيراً ومبتسماً وكأنه في عطلة مستمرة.

الأناقة السكندرية لم تكن مجرد اتباع لأحدث صيحات الموضة القادمة من باريس أو ميلانو، بل كانت فلسفة حياة وأسلوب عيش (Art de Vivre) تشكلت بفعل جغرافية المدينة، وهواء البحر، والتنوع الطبقي والثقافي الذي أثراها.

​تميزت هذه الأناقة بملامح خاصة جعلتها حاضرة في المقاهي، المتنزهات، الشوارع، وحتى في الحركة والحديث:

​1. الأناقة المتوسطية: رفاهية البساطة (Casual Elegance)
​    بخلاف القاهرة التي غلب على أحيائها الراقية الطابع الأورستقراطي 
    الكلاسيكي الصارم، كانت أناقة الإسكندرية أكثر انطلاقاً ومرونة بسبب 
    طبيعتها الساحلية:

    ​خامات البحر: سادت الأقمشة الطبيعية الخفيفة مثل الكتان الناصع  
              (Linen)، القطن الجازار، والحرير الخفيف.
    
   ​الألوان: اعتمدت الباليت السكندرية على الأبيض، درجات البيج، الأزرق  
              البحري (Navy Blue)، والألوان الهادئة (Pastel) التي تعكس أشعة  
              الشمس وتتناغم مع لون البحر.
  
   ​القصّات المريحة: فساتين الصيف الهدلة، التنانير الواسعة المكسرة 
             (Pleated skirts)، والسترات الرجالية الخفيفة غير المبطنة التي  
             تجمع بين الوقار والراحة أثناء المشي على الكورنيش.

​2. ثقافة "التأنق للمناسبة" (Dressing for the Occasion)
​
   كانت الأناقة في الإسكندرية مرتبطة بالطقوس اليومية، ولكل وقت ومكان 
   دستوره في الملبس:

​جولة الصباح والكورنيش: قبعات القش العريضة للسيدات لحماية البشرة، النظارات الشمسية ذات الإطارات الكلاسيكية، والأحذية الخفيفة القماشية أو الجلدية المفتوحة.

​الأندية الرياضية والسباحة: تميزت أندية مثل نادي الصيد، ونادي اليخت، والسبورتنج بأزياء خاصة للرياضة والإبحار؛ قمصان مخطط خطوطاً بحرية (Breton stripes)، وبنطال أبيض ناصع، وسويترات صوفية خفيفة تُلقى على الكتفين في أماسي الخريف.

​سهرات المساء الأوبرا والصالونات: كان الذهاب إلى مسرح زيزينيا أو أوبرا الإسكندرية (سيد درويش) أو الحفلات الموسيقية والصالونات الأدبية يتطلب التزاماً تاماً بالبدلات الداكنة للرجال (Tuxedo) وفساتين السهرة المطرزة بحرفية للسيدات.

​3. الأناقة الشعبية: كبرياء وتنسيق متفرد
​    لم تكن الأناقة حكراً على الأحياء الراقية، بل امتلكت الأحياء الشعبية  
    (كبحري والأنفوشي) مفهومها الخاص والمبهر عن الأناقة:
    ​دلال الملاية اللف: الأناقة في الملاية اللف لم تكن في قطعة القماش       
    ذاتها، بل في "الطيّة" وحركة السير، وتناسق الخلخال مع حذاء الكعب  
    العالي ("الماركاسيت")، والمزج بين الكحل العربي والعطر بلسمك الثقيل.
    ​هيبة الرجال: كانت الجلابية السكندرية المصنوعة من الكشمير أو القطن 
    الموصلي تُفصّل بدقة متناهية لدى خياطين متخصصين، مع اهتمام بالغ 
    بنظافة القمحة، وتناسق الشال، وصقل الحذاء الجلدي.

​4. الإكسسوارات والعطور: التفاصيل هي الجوهر
​
   العطور: كان العطر السكندري يميل في الصيف إلى النفحات الحمضية  
   والزهرية الخفيفة المستوردة، بينما تفضل الجلسات المسائية العطور      
   الخشبية والدافئة.

​   المجوهرات: انتشر الفن اليدوي في تصميم الصاغة، حيث دمجت السيدات  
   بين قطع الذهب الإيطالي الحديث، والحلي المطعمة بالصدف والأحجار  
   الكريمة ذات الطابع المتوسطي.

​5. "الديناميكية" والسلوك (Attitude)
​    الأناقة السكندرية لم تكن تقتصر على الملابس، بل كانت طريقة في    
    المشي، ونبرة الصوت، ولغة الجسد. كان هناك اعتزاز فطري بالنفس،  
    وخفة ظل ممزوجة بتهذيب وبساطة في التعامل، جعلت السكندري يبدو  
    دائماً أثيراً ومبتسماً وكأنه في عطلة مستمرة.

افتخار الشخص السكندري ببعده الكوزموبوليتاني ليس مجرد اعتزاز بالشكل أو الموضة القديمة، بل هو وعي بذات تاريخية وثقافية فريدة تشكّلت على مدى عقود طويلة، وجعلت منه نموذجاً للشخصية المتوسطية المفتوحة على العالم.

​يعود هذا الافتخار إلى عدة عوامل تجعل الكوزموبوليتانية بالنسبة له هوية وحجم انتماء:

​1. الإحساس بالسبق الحضاري والتنوع
​    يرى السكندري في تاريخ مدينته أنها لم تكن يوماً مجرد مدينة محليّة، بل 
    كانت "عاصمة العالم" في فترات تاريخية متعاقبة. النشأة الأولى على يد 
    الإسكندر الأكبر، ثم التعايش الإغريقي، الروماني، المصري، الإيطالي، 
   اليوناني، والأرمني، جعلت الثقافة السكندرية قائمة أصلاً على التعددية لا 
   القولبة، وهو ما يجعله يشعر بأنه ينتمي لتاريخ عالمي واسع.

​2. "سيكولوجية المدينة الساحلية" والانفتاح
​    العيش أمام البحر يعطي الشخصية السكندرية طابعاً متميزاً:
    ​قبول الآخر التلقائي: العيش الصيفي واليومي المتواصل مع جنسيات     
    وثقافات وافدة عبر الموانئ جعل الانفتاح والتقبل جزءاً من الجينات 
    الاجتماعية، فليس هناك "غريب" بالمعنى التقليدي، بل كل وافد هو    
    إضافة للنص البصري والإنساني للمدينة.
    ​المرونة والذكاء اللغوي والثقافي: نشأت أجيال في الإسكندرية وهي    
    تتحدث وتفهم كلمات إيطالية ويونانية وفرنسية مدمجة في العامية  
    السكندرية (مثل أنشاص، ماركاسيت، فورماجيو، كابشي)، مما منح 
    السكندري شعوراً بالتميز اللغوي والسلوكي عن بقية أقاليم مصر.

​3. ذوق حياتي خاص (Art de Vivre)

​يفتخر السكندري بأنه يمتلك طريقة عيش لا تتكرر:
​المزج الفذ بين رقيّ أسلوب الحياة الأوروبي (المقاهي الكلاسيكية، الصالونات الأدبية، الموسيقى، والأنشطة البحرية كالرياضات واليخوت) وبين الأصالة والجدعنة المصرية الشعبية في أحياء مثل بحري والأنفوشي.
​هذا التناغم يجعله يرى نفسه شخصاً ذواقة، يدرك قيمة الفن، الأناقة، الجلسة الرائقة، وإيقاع الحياة المتمهل مقارنة بصخب العواصم الكبرى.

​4. الإرث الأدبي والفني العالمي

​السكندري يعلم أن مدينته لم تكن مجرد مكان للسكن، بل كانت ملهمة للعالم. افتخاره بنسبة مدينته لكفافيس، ولورنس داريل، وسيد درويش، وبيرم التونسي، ويوسف شاهين، يجعله يشعر بأنه يمثل امتداداً لشخصية ألهمت كبار أدباء وفناني العصر الحديث.

​إن كوزموبوليتانية السكندري ليست "استعارة لثقافة غريبة"، بل هي رحابة صدر، واعتزاز بالنفس، وقدرة على استيعاب العالم كله في كلمة واحدة أو ابتسامة أمام البحر.

فطحل العرب 
الأستاذ الدكتور/ السيد السيد وجيه
أستاذ الفيرولوجي والبيوتكنولوجي،
ورئيس قسم أمراض النبات سابقاً – كلية الزراعة - جامعة الإسكندرية.
دكتوراه (PhD) في الفيرولوجي من الكلية الإمبراطورية
(كلية العلوم والطب) جامعة لندن،Imperial College, London
درجة عضوية الكلية الملكية للعلوم (DIC) بلندن،
دبلومة التعليم (Education) جامعة كمبريدح-بريطانيا.
عضو مجلس إدارة الجمعية الدولية الأفريقية لعلوم المحاصيل سابقاً.
عضو مجلس إدارة جمعية أمراض النبات الأسيوية.
و"رئيس تحرير" (Editor-in-Chief) المجلة الدولية للفيرولوجي
الولايات المتحدة سابقاً.

أخبار متعلقة :