مجلة إسكندرية

عاصم صبحي يكتب....من سوتر .. لكامب شيزار


في مدينة لا تنام، تتنفس البحر و تكتب حكايتها علي صفحته الممتدة، يبدأ المشهد من سوتر ؛ حيث تتلاقي المعرفة بالبحر . هناك ، حيث يقف مجمع الكليات النظرية شامخاً كمعبد للفكر ، و تجاوره مكتبة الإسكندرية كمنارة تستعيد مجداً غابرًا ، ينساب البشر في تيار لا ينقطع .. طلاب يحملون هم الامتحانات، و باحثون يطاردون فكرة ، و عابرون يبحثون عن لحظة صفاء علي حافة الماء .
تبدأ الجولة . الرصيف الطويل يمد ذراعه من سوتر نحو كامب شيزار، و كأنه يقدم لك بانوراما كاملة للطبائع الإنسانية . هنا، علي هذه الحافة الرملية التي تفصل اليابسة عن اللانهاية الزرقاء، تتكشف الحياة كما هي ، بلا أقنعة .
علي الصخور المدببة ، و أطراف الحواجز الخرسانية، يقف رجال بأعمار متفاوتة . بعضهم شباب عشريني ، يمسك سنارته بيد مبتدئة ، و بعضهم الآخر في الستينات من عمره ، يضع الكرسي الصغير و يجلس كأنه يحادث البحر لا يصطاد منه . يجلسون ساعات ، تنصب السنارة، تلقي في الماء ، ثم يأتي الانتظار . صمتهم ليس فراغا ، بل حوار مع الذات . صياد السمك علي كورنيش الاسكندريه لا يبحث عن سمكة فقط، بل عن لحظة تأمل لا يقطعها أحد . نظراته المثبتة علي البحر توحي بحديث تفاوضي بينهما .
بين هؤلاء الصيادين، تلمح طبقات اجتماعية كاملة .. موظف أنهي بومه ، عامل يبحث عن عشاء لعائلته ، متقاعد قتل الفراغ بصبر نبيل . البحر هنا يسوي بين الجميع، فمن يملك و من لا يملك ، يقفان جنباً إلى جنب، يحدقان بعين واحدة نحو الأفق ذاته .
علي الجانب الآخر من الرصيف ، تمر فتيات و شابات في مجموعات صغيرة أو فرادي . ملابسهن ليست عابرة ، إنها بيان بصري . ألوان متناسقة، حقائب صغيرة، نظارات شمسية، عطور تسبق خطواتهن . في مشيتهن اعتداد واضح ، ليس غروراً ، بل احتفاء بالذات . الفتاة السكندرية الشابة ترتدي لتُعبٓر .. "أنا هنا" .
و اللافت أن هذه العناية بالمظهر تقف علي النقيض تماماً من شباب يسيرون بجوارهن ببنطال چينز باهت ، و تيشرت بسيط ، و شعر قد يكون غير مصفف . لا مبالاة مقصودة ؟ أم بساطة مقصودة ؟ في الحالتين ، يبدو المشهد و كأنه مسرحية يومية ، هي تتقن دورها في الإبهار ، و هو يلعب دور المتفرج غير المكترث . هذا التناقض ليس صراعاً، بل ثنائية تكمل بعضها .. الأناقة تبحث عن التقدير، و البساطة تبحث عن الراحة . و كلاهما يجد ضالته علي كورنيش الاسكندريه .
هناك ، علي حافة الرصيف، حيث تلامس الموجة الحجر ، يجلسون بمفردهم . شاب يضع سماعاته في أذنيه ، ينظر إلى البحر بلا حركة، و كلأنه يسمع موسيقى لا نسمعها . فتاة تحمل كتاباً ، لكنها لا تقرأ منذ نصف ساعة، عيناها علي الأفق ، و ربما علي ذكري . رجل في الأربعين يمسك بكوب قهوة صغير ، يحتسيه ببطء و كأنه يقاسمه أفكاره .
هؤلاء ليسوا وحيدين بالمعني الحزين ، بل هم في جلسة خاصة مع أنفسهم . البحر هنا يصبح جليساً ، و محللاً نفسياً، و صديقاً لا يسأل و لا يحكم . من يجلس وحيداً علي الكورنيش، إنما يجلس مع كل ما يؤرقه، يطرحه أمام الموج ، لتأخذه المياه بعيداً . و ربما هذا أرقي أنواع العلاج المجاني في مدينة تضج بالضجيج .
و في المسافة الرابطة بين سوتر و كامب شيزار، تنتشر مجموعات من الشباب و الشابات . يفترشون الرصيف أو يجلسون على الكراسي البلاستيكية . أمامهم أكياس الفشار أو ساندويتشات بسيطة . يتحدثون، يضحكون، يتبادلون صوراً بهواتفهم المحمولة . كل دقيقة تخلد بصورة ، و كل صورة ترفع علي "ستوري" أو "حالة واتساب" . التصوير هنا ليس توثيقاً فقط، بل إعلان وجود .. نحن هنا ، نعيش اللحظة ، و نشاركها .
في هذه المجموعات ، يختفي الفرد و يظهر الجميع . الضحكة الجماعية تنسي الهموم الفردية . يتقاسمون الرزق البسيط .. كيس البطاطس، و زجاجة المياه الغازية، و ربما سيجارة يدور بها الجميع . يتبادلون الأحلام أيضاً .. من سيتخرج، من سيسافر ، من سيجد عملاً ، من سيحب . الكورنيش هنا ليس مجرد مكان للترفيه ، بل مختبر اجتماعي صغير ، تختبر فيه الصداقات ، و تبني فيه الذكريات، و تصنع فيه هوية جيل كامل .
من سوتر إلي كامب شيزار، لا تقطع مسافة جغرافية فحسب ، بل تعبر شرائح بشرية و طبقات اجتماعية و حالات نفسية . في هذا الشريط الساحلي الممتد ، يلتقي الطالب بالصياد ، و المهتم بمظهره بالبسيط ، و المنعزل بالاجتماعي، و الحالم بالواقعي . الكورنيش هنا ليس مجرد رصيف للإسمنت و البحر ، بل هو مرآة كبيرة نري فيها أنفسنا ، و نري فيها مدينتنا كما هي .. جميلة بتناقضاتها ، غنية ببساطتها ، عميقة بضحكاتها .
من يجلس على كورنيش الاسكندريه، من سوتر إلي كامب شيزار، لا يعود كما جاء . البحر يغير شيئا في الداخل ، و لو قليلاً . و المدينة، بكل ما فيها من فوضي و جمال ، تحتضن الجميع .. الصياد و الحالم ، الأنثى المتأنقة و الذكر غير المكترث، الوحيد و الجماعة . الكل هنا ضيوف علي البحر ، و البحر لا يطرد أحداً .
هكذا تكون الاسكندريه .. مدينة تكتب بالناس ، لا بالحجر . و من سوتر إلي كامب شيزار، تظل الحكاية مستمرة ، و البحر شاهداً .

أخبار متعلقة :