أخبار متعلقة :
عاصم صبحي يكتب...أحلام العذارى في مهب الريح
في بيوت كثيرة في مصر، تجلس فتاة في مقتبل العمر أو في منتصفه أمام مرآتها، تُسوّي ثوبًا لم تلبسه في فرح، وتُخفي خلف ابتسامتها سؤالًا ثقيلًا تسمعه في كل مناسبة: «هو أنتِ مش ناوية تتجوزي؟». سؤال يبدو بريئًا، لكنه يختصر حكاية جيل كامل من الفتيات اللواتي حلمن ببيت وأسرة وسَكَن، فوجدن أحلامهن معلّقة في مهب الريح، تتقاذفها غلاءُ الأسعار، وتعقيدُ التقاليد، وضيقُ الفرص، وقسوةُ نظرة المجتمع. وقبل أن نخوض في التفاصيل، لا بد من وقفة مع المصطلح ذاته؛ فكلمة «العنوسة» تحمل في طياتها حكمًا اجتماعيًا جائرًا، وكأن المرأة التي لم تتزوج «بضاعة فاتها الموسم». ولذلك فإن الأدق والأعدل أن نتحدث عن «تأخر سن الزواج» و«ارتفاع نسب غير المتزوجين» من الجنسين، لأن المشكلة في جوهرها ليست مشكلة فتاة بعينها، بل مشكلة مجتمع بأسره. تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء وتقارير ديموغرافية متعددة إلى اتجاه واضح في مصر، هو ارتفاع متوسط سن الزواج لدى الجنسين مقارنة بالأجيال السابقة، وزيادة أعداد من تجاوزوا الثلاثين دون زواج، بالتوازي مع ارتفاع معدلات الطلاق. وتتفاوت الأرقام بحسب المصدر وطريقة الحساب، لذلك ينبغي التعامل معها بحذر، فالأهم من الرقم هو دلالته: أن الزواج لم يعد في متناول كثيرين كما كان، وأن الأمر تحوّل من حالات فردية إلى ظاهرة اجتماعية تستحق التوقف. حين يصبح الزواج مشروعًا مكلّفًا . هذا هو السبب الأبرز دون منازع. فالشاب المصري المقبل على الزواج يواجه ثلاثية مرهقة: السكن، والجهاز، والمهر والشبكة. ومع ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات وتآكل القدرة الشرائية، صار الاستقلال المادي حلمًا بعيدًا، فيتأخر الشاب سنوات لتدبير نفقات الزواج، وتتأخر معه الفتاة التي تنتظر. والنقد هنا موجّه إلى منظومة كاملة؛ فبطالة الشباب، وتدني الأجور مقارنة بتكاليف المعيشة، وعدم توافر سكن ميسّر، كلها عوامل تجعل الزواج «رفاهية» لا حقًا طبيعيًا. لا نُنصف الحقيقة إن حمّلنا الاقتصاد وحده المسؤولية. فثمة عادات اجتماعية صنعناها بأيدينا وصارت قيدًا علينا: قوائم المنقولات، والمغالاة في الجهاز، والتنافس في الشبكة والفرح والفيلا والتشطيب «على أعلى مستوى». أصبح الزواج مسرحًا للتفاخر الاجتماعي، وتحوّلت المطالب المبالغ فيها من أسرتي العروسين إلى حاجز يصدّ الراغبين الجادين، وكثيرًا ما يُرفض شاب كفء وخلوق لأنه لا يملك «ما يليق». دخلت المرأة المصرية ميادين التعليم والعمل بقوة، وصارت أكثر استقلالًا وطموحًا، وهذا مكسب حضاري لا يُنكر. غير أن المجتمع لم يُحدّث تصوراته بالسرعة نفسها؛ فما زال بعضهم يريد زوجة متعلمة عاملة لكنها «تقليدية» في الوقت ذاته، وما زالت بعض الأسر ترى أن المرأة الأعلى تعليمًا أو دخلًا «يصعب تزويجها». وهنا تتصادم التوقعات القديمة بالواقع الجديد، فتتأخر الاختيارات، وتتعقد المفاضلات. ارتفاع معدلات الطلاق وتجارب الزواج المتعثر خلّف حذرًا لدى الشباب من الجنسين، وجعل كثيرين يؤجلون القرار خوفًا من الفشل. كما أسهم الانفتاح الرقمي ومواقع التواصل في رفع سقف التوقعات، وبث صور مثالية عن الارتباط والحياة المشتركة لا تصمد أمام الواقع، فصار الاختيار أصعب والرضا أندر. ما زال «الزواج التقليدي» القائم على الوسطاء والزيارات المحدودة هو الطريق الأشيع، في حين تضيق دوائر التعارف الآمن المحترم بين الشباب. ومع غياب مساحات مجتمعية مشروعة للتعارف، وغياب ثقافة الاستشارات الأسرية قبل الزواج، تتعطل فرص كان يمكن أن تثمر بيوتًا مستقرة. يسهم بعض الإعلام والدراما في تكريس صورة نمطية مهينة للفتاة التي تأخرت في الزواج، فيجعلها مادة للتندر والشفقة أو حتى الاتهام، مقابل ترويج نموذج مثالي لزواج مبهر مكلّف. وهكذا يتحول الإعلام من أداة توعية إلى أداة ضغط نفسي. و لتلك الظاهرة أثار على المجتمع المصري. أهمها ، الأثر النفسي. تعاني كثير من الفتيات من شعور بالنقص والقلق والاكتئاب نتيجة الضغط الأسري والمجتمعي والمقارنات المستمرة، وربما فقدان الثقة بالنفس. ولا يسلم الشباب أيضًا من هذا العبء، فالرجل الذي لا يقدر على تكاليف الزواج يشعر بالعجز والفشل أمام مجتمع يقيس رجولته بما يملك . و الأثر الأسري ، إذ تتحول العلاقة داخل الأسرة أحيانًا إلى توتر دائم بين الأهل وبناتهم، وقد تنتهي بقرارات متعجلة بتزويج الفتاة من أي متقدم خوفًا من «فوات الأوان»، فتُبنى بيوت على غير أساس سليم، وتكون النتيجة مآسي زواج غير متكافئ أو طلاق مبكر. تأخر الزواج يؤخر تكوين الأسر الجديدة، وما يرتبط بها من حركة اقتصادية في السكن والأثاث والاستهلاك. كما أن طاقات شابة تتبدد في القلق والانتظار بدلًا من أن تتجه إلى الإنتاج والإبداع، وفي المقابل تثقل التكاليف الباهظة كاهل الأسر التي تتحمل ديونًا من أجل تجهيز بناتها وأبنائها. حين يتأخر الزواج الشرعي طويلًا، تتزايد مخاطر الانحراف السلوكي، وانتشار علاقات غير مستقرة أو زيجات «عرفية» تهدر الحقوق، وتظهر أنماط من التحايل على الأعراف، فضلًا عن اتساع الفجوة بين القيم المعلنة والممارسة الفعلية. وهذه مشكلة لا تُحل بالوعظ وحده، بل بإزالة العوائق التي تدفع الناس إليها. يؤدي تأخر الزواج إلى تأخر الإنجاب وتغيّر البنية العمرية للأسرة، وما يترتب على ذلك من آثار طويلة المدى على التركيبة السكانية وسوق العمل وأنظمة الرعاية. مجتمع يضغط على أفراده بسؤال «لماذا لم تتزوجي؟» دون أن يوفر لهم أسباب الزواج، هو مجتمع يراكم الإحباط الجماعي، ويضعف الشعور بالانتماء والأمل في المستقبل. المشكلة مركّبة، ولذلك لا يصلح معها حل واحد. بل تتضافر عدة محاور متكاملة المعالجة : ٠ تيسير الزواج و تقليل التكاليف.إحياء ثقافة «أيسر الزواج أيسره»، وتشجيع الأسر على التخفيف من قوائم المنقولات والمظاهر. ويمكن للمؤسسات الدينية والإعلامية أن تقود حملات مجتمعية مؤثرة، وأن تقدم نماذج لأسر نجحت في زواج بسيط وراقٍ. . دعم الإسكان للشباب. توفير وحدات سكنية مناسبة بأقساط ميسّرة وإيجارات مدعومة للمقبلين على الزواج.