الحروب لا تسرق الأوطان فحسب، بل تترك ندوبًا عميقة في أرواح البشر، فبين صوت الرصاص وصدى الانفجارات وبين لحظات الفقد والرحيل القسري، يعيش ملايين الناس معاناة نفسية قد لا تُرى بالعين، لكنها تترك أثرًا قد يمتد لسنوات طويلة.
حين يُجبر الإنسان على مغادرة منزله وترك ذكرياته وأحلامه خلفه، فإنه لا يفقد مكانًا يسكنه فقط، بل يفقد جزءًا من إحساسه بالأمان والاستقرار والانتماء، لذلك يُعد النزوح من أكثر التجارب الإنسانية قسوةً وتأثيرًا على الصحة النفسية.
كثير من الأشخاص الذين عاشوا ظروف الحرب يعانون من القلق المستمر والخوف المبالغ فيه واضطرابات النوم والكوابيس المتكررة، وصعوبة التركيز والشعور بالحزن العميق وقد تظهر عليهم أعراض الاكتئاب أو اضطراب ما بعد الصدمة، حيث تستمر ذكريات الأحداث المؤلمة في مطاردتهم حتى بعد انتهاء الخطر المباشر.
ولا تقتصر آثار الحرب على الكبار فقط، فالأطفال أيضًا يدفعون ثمنًا نفسيًا باهظًا، فالطفل الذي يفقد شعوره بالأمان أو يشاهد مشاهد العنف قد يعاني من الخوف الشديد، أو التبول اللاإرادي، أو الانعزال، أو تغيرات سلوكية تؤثر على نموه النفسي والاجتماعي.
ورغم كل هذه المعاناة، فإن الإنسان يمتلك قدرة عظيمة على التعافي عندما يجد الدعم المناسب، فالكلمة الطيبة، والاحتواء الأسري، والدعم المجتمعي والخدمات النفسية المتخصصة، كلها عوامل تساعد المتضررين على استعادة توازنهم النفسي وبناء الأمل من جديد.
إن الاهتمام بالصحة النفسية في أوقات الحروب ليس رفاهية، بل ضرورة إنسانية، فكما تحتاج الجروح الجسدية إلى العلاج، تحتاج الجروح النفسية أيضًا إلى الرعاية والاهتمام وقد يكون سؤال بسيط مثل: "كيف تشعر اليوم؟" بداية طريق طويل نحو التعافي.
فلنكن أكثر رحمة ببعضنا البعض، فخلف كل وجه نراه قد توجد قصة ألم لا نعرفها وخلف كل ابتسامة قد يختبئ وجع لم يجد من يسمعه بعد، الصحة النفسية حق لكل إنسان، حتى في أصعب الظروف.
خالد رغدان إختصاصي نفسي
أخبار متعلقة :