سد النهضة بين ميادين الدبلوماسية وساحات الحرب

سد النهضة بين ميادين الدبلوماسية وساحات الحرب
سد النهضة بين ميادين الدبلوماسية وساحات الحرب

سد النهضة بين ميادين الدبلوماسية وساحات الحرب

 

تقرير - عبدالرحمن أحمد هشام

 

بدأت القصة في بدايات القرن العشرين حينما وقعت انجلترا عن مصر والسودان اتفاقية مع الجانب الجانب الإثيوبي تتعهد فيها إثيوبيا بعدم القيام بأي منشآت على نهر النيل دون موافقة مصر والسودان، وفي نهايات العقد الثالث من القرن الماضي، وقعت مصر والسودان عام 1929م اتفاقية بخصوص النهر تعطي مصر الحق في الاعتراض أو النقض على أي مشروع يقام على النهر ويؤثر على حصة مصر من المياه، وبالأخص حينما يتعلق الأمر بدول المنبع.

وفي عام 1959م وقعت مصر والسودان اتفاقية أخرى تعزز موقف مصر، حيث منحت مصر الحق في أكثر من 50% من مياه النيل، لكن الجانب الإثيوبي لا يعترف بتلك الاتفاقيات رغم مرور عقود على إبرامها بحجة أنها كانت تحت وطأة الاستعمار الانجليزي.

قبل أزمة بناء سد النهضة في إثيوبيا كانت هناك محاولات عدة من دول حوض النيل لإقامة بعض السدود على النهر، منها ما وافقت عليه مصر بما لا يتعارض مع مصالحها وأمنها المائي، ومنها ما لم يكتمل حسب الرؤية المصرية.

 

مصر.. الصخرة التي يتحطم عليها الحلم الإثيوبي

على مر سنوات لم تكن تلك المرة الأولى التي تحاول فيها إثيوبيا تشييد سد على نهر النيل، فلها تاريخ طويل من الصراع مع دول حوض النيل وبالأخص مصر حول هذا الأمر، ففي الماضي اقترحت إثيوبيا بناء السد على جيرانها لكن زعامة الرئيس جمال عبدالناصر لأفريقيا كانت أكبر من مزاعم إثيوبيا آنذاك، ما جعل الأمر يبوء بالفشل.

وإبان الركود الاقتصادي الذي عاشته مصر بعد انتصار السادس من أكتوبر حاولت إثيوبيا إحياء فكرة إنشاء السد مرة أخرى دون علم مصر، لكن المخابرات المصرية والرئيس محمد أنور السادات كانا أكثر دهاءً من الكيد الحبشي، وأوقف الأمر بذكاء شديد ودُمرت القواعد الإنشائية قبل بنائه.

 

ومع تولي الرئيس محمد حسني مبارك زمام الحكم في مصر عرض عليه رئيس الوزراء الإثيوبي، ميليس زيناوي، في زيارة للقاهرة فكرة إقامة السد كمشروع تدرسه إثيوبيا، لكنه عاد إلى أديس أبابا خالي الوفاض بعدما تلقى تهديدًا عسكريًا مباشرًا حال بناءه، وقُتل الحلم الإثيوبي آنذاك، حتى جاء العام 2011م الذي أعلنت فيه إثيوبيا عن البدء في مشروع "سد النهضة العظيم" في أعقاب ثورة 25 يناير، والذي يعد الأكبر في أفريقيا بتكلفة تقارب 5 مليارات دولار.

 

خزان السد.. صراع حول الملئ

إعلان إثيوبيا بنائها للسد لم يأت بقصد توفير المياه لها أو حجب الفيضان عنها، وإنما بهدف توليد الكهرباء لها تزامنًا مع الانتعاشة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، ولذا يعتبر الإثيوبيون السد مشروعًا قوميًا كمسألة حياة أو موت لهم، تمامًا كما يعتبر المصريون مياه النيل بمثابة حياة أو موت لهم، وهنا يتشكل الصراع بين 100 مليون مصري ومثلهم من الإثيوبيين.

فنهر النيل الذي يعد من أطول الأنهار بالعالم تعتمد عليه مصر في توفير احتياجاتها المائية بنسبة 100% تقريبًا، وعلى جانب آخر فإن 85% من مياه النيل تنبع من الأراض الإثيوبية، ووفقًا للمعايير الدولية فإن مصر بحصتها الحالية والتي تبلغ 55.5 مليار متر مكعب تعد من الدول التي تواجه فقرًا مائيًا، ما يعني أن مع بناء السد ستتفاقم المشكلة بكل تأكيد.

تشييد السد من عدمه لم تكن الأزمة الرئيسة التي واجهت مصر، فالصراع يدور حول ملئ خزان السد الذي وفقًا للرؤية المصرية تريد ملئه خلال 10 سنوات مع مراعاة سنوات الجفاف، وهو ما ترفضه إثيوبيا معتبرة أن لديها حق سيادي على مياه النهر وتصر على ملئ الخزان في فترة لا تتجاوز الأربعة إلى سبعة سنوات دون إلزام واجب لها، وهو ما ترفضه مصر.

قبل مجلس الأمن.. كيف سعت مصر لإنهاء الأزمة؟

مصر والسودان وإثيوبيا الذين وقعوا على اتفاق المبادئ في 2015م وبعد مرور أكثر من 6 سنوات على المفاوضات المباشرة منذ التوقيع، فإن الوضع بحاجة إلى إيجاد دور دولي فعال لتجاوز الموقف الحالي وتقريب وجهات النظر بين الأطراف يقوم على احترام مبادئ القانون الدولي الحاكم لإدارة واستخدام الأنهار الدولية، والتي تتيح للدول الاستفادة من مواردها المائية دون الإضرار بمصالح وحقوق الدول الأخرى، وهو ما تسعى مصر إلى تحقيقه من خلال سياستها في إدارة ملف السد الإثيوبي، مع تمسكها بالحق الشعبي والتاريخي لها في نهر النيل.

في السنوات الأخيرة أصبح الاهتمام المصري بالشأن الإفريقي وتوطيد العلاقات مع دول القارة السمراء ملفًا رئيسًا على طاولة السياسة المصرية، وبالأخص دول حوض النيل، كما استجابت مصر للمفاوضات التي دعت لها واشنطن بين مصر وإثيوبيا لتقريب وجهات النظر بين البلدين، لكن مماطلات الجانب الإثيوبي جعلها تبوء بالفشل، خرجت بعدها أديس أبابا في العام 2020م ببيان شديد اللهجة تزعم فيه أن مصر تريد الاستئثار بمياه النيل، وهو ما استنكرته القاهرة في بيان الخارجية المصرية، موضحة أن مثل هذه الشعارات الجوفاء والتصريحات غير المسئولة لا تساعد على خلق البيئة المواتية لتحقيق التقدم في المفاوضات.

سياسيًا سلكت مصر كل السبل سعيًا لحل الأزمة، كان آخرها مناقشة مشروع القرار التونسي في مجلس الأمن لإلزام الأطراف الثلاث بعدم اتخاذ أي إجراء أحادي من شأنه الإضرار بالأطراف الأخرى، لكن لا شيء جديد يحدث، فقد أسند مجلس الأمن الأمر إلى الاتحاد الإفريقي لنزع فتيل الأزمة، في حين ترى مصر أن الاتحاد الإفريقي لا يقود المفاوضات إلا لطريق مسدود، وهو ما أكده وزير الخارجية المصري، سامح شكري، بعد إنتهاء الجلسة.

السياسة والحرب وجهان لعملة واحدة؟

مع تعنت الجانب الإثيوبي تقوم مصر على صعيد آخر بتعزيز علاقاتها مع دول حوض النيل سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، فمناورة "حماة النيل" التي أجرتها مصر مع السودان المتضررة أيضًا من السد، يبدو وأنها تحمل رسالة يفهما الصغير قبل الكبير، فضلًا عن كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسي، التي حملت تهديدًا واضحًا لكل من يحاول المساس بمياه مصر متوعدًا من يريد إلحاق الضرر بها بحالة من عدم الاستقرار في المنطقة لا يتخيلها أحد.

وبين المماطلات الإثيوبية والمهلة التي حددتها القاهرة لأديس أبابا للموافقة على شروطها والعمل بجدية لإنهاء الأزمة دون خلاف، تستمر إثيوبيا في عملية ملئ خزان السد وفق خطتها، وهو ما قد يجعل هناك خيار آخر كان قد أشار إليه المتحدث العسكري المصري السابق في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة العميد أركان حرب تامر الرفاعي، حينما قال "إن هناك حروب يخوضها رجال القوات المسلحة في ميادين القتال، وهناك حروب أخرى يخوضها رجال الخارجية المصرية في ميادين الدبلوماسية، فالحرب والسياسة وجهان لعملة واحدة، ما لا يتحقق بالسياسة يتحقق بالحرب ثم يتم استكماله بالمفاوضات"، فهل تسقط العملة في يد مصر على وجهها الحسن أم أن للوجه الثاني رأي آخر؟

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى مجلة إلكترونية جديدة تفتح آفاقًا علمية لرعاية كبار السن.. إطلاق أول إصدار شهري متخصص في طب وصحة المسنين

معلومات الكاتب

 
Get new posts by email: