وداعًا يانج يي.. قنصل الصين الذي فتح أبواب الدبلوماسية على البحر المتوسط وترك بصمة إنسانية وثقافية في الإسكندرية
مع انتهاء فترة عمله رسميًا، تودّع الإسكندرية يانج يي، قنصل عام جمهورية الصين الشعبية، بعد مسيرة دبلوماسية استثنائية اتسمت بالحضور النشط والانفتاح الواسع على المجتمع، ليصبح اسمه مرتبطًا بمرحلة مميزة في العلاقات المصرية–الصينية على المستويين الرسمي والشعبي. منذ توليه مهام منصبه، لم يتعامل يانج يي مع الإسكندرية كمقر عمل دبلوماسي فحسب، بل كمدينة حياة يومية، حرص على الاندماج في نسيجها الثقافي والإنساني، وفتح أبواب القنصلية أمام الجميع، من مسؤولين وأكاديميين ومثقفين وطلاب، في نهج غير تقليدي عكس فهمًا عميقًا لمعنى الدبلوماسية الحديثة. أنشطة ثقافية ممتدة وحضور دائم شهدت فترة عمله زخمًا ملحوظًا في الأنشطة الثقافية الصينية داخل الإسكندرية، حيث دعم تنظيم احتفالات كبرى بمناسبة رأس السنة الصينية، وفعاليات فنية ومعارض تراثية عرّفت الجمهور السكندري بتاريخ الصين وحضارتها، وساهمت في تعزيز التبادل الثقافي بين الشعبين. كما كان حريصًا على المشاركة الدائمة في الفعاليات التي تنظمها المؤسسات الثقافية المصرية، وفي مقدمتها مكتبة الإسكندرية، مؤكدًا في أكثر من مناسبة أن الثقافة تمثل جسرًا حقيقيًا للتقارب بين الشعوب، وأن الإسكندرية بما تحمله من تاريخ متوسطي هي مساحة طبيعية للحوار الحضاري. دعم التعليم والتبادل الأكاديمي أولى القنصل العام اهتمامًا خاصًا بملف التعليم، فشارك في لقاءات مع قيادات الجامعات، ودعم برامج التبادل الطلابي والمنح الدراسية، وشجع على تعليم اللغة الصينية، مؤمنًا بأن الاستثمار في الشباب هو الطريق الأكثر استدامة لتعميق العلاقات الثنائية. كما حرص على التواصل المباشر مع الطلاب، والاستماع إلى أفكارهم وطموحاتهم، في صورة عكست قربه من الأجيال الجديدة. تعاون اقتصادي ومجتمعي لم تغب الملفات الاقتصادية عن أجندته، إذ شارك في لقاءات مع رجال الأعمال والمستثمرين، وساهم في دعم فرص التعاون بين الشركات الصينية ونظيرتها المصرية، خاصة في مجالات الصناعة والطاقة والتكنولوجيا. كما شجع على تعريف المجتمع السكندري بالمشروعات الصينية الكبرى في مصر، مؤكدًا أن الشراكة الاقتصادية بين البلدين تقوم على المنفعة المتبادلة. دبلوماسية إنسانية وباب مفتوح للجميع ما ميّز تجربة يانج يي هو طابعه الإنساني الواضح، حيث لم تقتصر لقاءاته على الأطر الرسمية، بل امتدت إلى مناسبات اجتماعية وثقافية وشبابية، وكان دائم الحرص على الاستماع، والحوار، وبناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل. وهو ما جعل كثيرين يصفونه بـ«قنصل الناس»، الذي قرّب الدبلوماسية من الشارع والمجتمع. وفي كلماته الوداعية، عبّر عن اعتزازه بفترة عمله في الإسكندرية، مؤكدًا أن ما وجده من محبة وتعاون سيظل محفورًا في ذاكرته، وأن علاقات الصداقة التي نشأت خلال هذه السنوات ستبقى جسرًا ممتدًا بين مصر والصين. برحيل يانج يي، لا تودّع الإسكندرية دبلوماسيًا فحسب، بل تجربة إنسانية ثرية تركت أثرًا واضحًا في المشهد الثقافي والدبلوماسي، ورسخت نموذجًا لقنصل آمن بأن أبواب الحوار المفتوحة هي الطريق الأقصر لبناء علاقات دولية راسخة.
