في لحظة قانونية فارقة، أصدرت دائرة توحيد المبادئ بالمحكمة الإدارية العليا حكمًا حاسمًا يقضي بأن إعادة تصحيح أوراق الإجابة تخرج عن نطاق الرقابة القضائية، وتندرج ضمن السلطة التقديرية لجهة الإدارة، باعتبارها الأقدر قانونًا على تقييم الأداء العلمي وتقدير الجهد الأكاديمي.
ويعكس الحكم توجهًا نحو ترسيخ مبدأ استقرار المراكز القانونية، ومنح الجهات المختصة مساحة أوسع لممارسة دورها الفني دون تدخل قضائي، وهو ما اعتبره البعض خطوة نحو ضبط الإطار القانوني لعملية التقييم التعليمي. غير أن هذا التوجه، رغم وجاهته القانونية، فتح بابًا واسعًا للنقاش حول التوازن بين السلطة التقديرية وتحقيق العدالة.
وفي هذا السياق، يرى أحمد سامي الباحث القانوني أن اعتبار التقدير العلمي عملًا فنيًا بحتًا قد يبدو منطقيًا من الناحية النظرية، لكنه يطرح تساؤلات عملية عميقة، أبرزها: هل كل ما يُصنّف كعمل فني يجب أن يكون بمنأى عن الرقابة؟ وهل يكفي إسناد التقييم إلى جهة مختصة لضمان العدالة، أم أن العدالة الحقيقية تقتضي وجود آليات مراجعة تحمي من احتمالات الخطأ البشري؟
ويشير إلى أن التقييم في المواد المقالية تحديدًا لا يخضع لمعايير حسابية صارمة، بل يعتمد على اجتهاد بشري قد يختلف من مصحح لآخر، حتى مع تماثل الإجابات، ما يجعل السلطة التقديرية سلاحًا ذا حدين؛ تمنح المرونة من جانب، لكنها قد تفتح الباب أمام تفاوت غير مبرر من جانب آخر.
ويطرح الحكم بدوره تساؤلًا جوهريًا حول موقع ضمانات الإنصاف داخل المنظومة التعليمية، خاصة في ظل غياب رقابة قضائية على عملية التصحيح. فهل يكفي الافتراض بحسن التقدير ونزاهته، أم أن العدالة بطبيعتها تقتضي دائمًا إمكانية المراجعة كضمانة أساسية؟
ويؤكد متابعون أن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن بين استقرار القرارات الإدارية وحق الأفراد في الإنصاف، مشيرين إلى أن غياب آليات مراجعة فعالة قد لا يقتصر أثره على فقدان درجات، بل يمتد إلى التأثير على ثقة الأفراد في منظومة العدالة ككل.
وفي ختام المشهد، يبقى السؤال مطروحًا للنقاش المجتمعي والقانوني: ما هي الحدود الفاصلة بين سلطة التقدير وضمانات العدالة في تقييم أوراق الإجابة؟ وهل يمكن تحقيق المعادلة دون الإخلال بأي من الطرفين؟
