تعالت أصوات التكبيرات من شرفات المنازل بالإسكندرية في الساعة الثانية بعد منتصف الليل مرددين " الله اكبر" و"يا رب", حينها قلت في قرارة نفسي " فعل جيد, لعلنا نخرج من هذه الأزمة بالقرب من الله عزوجل, وما اجمل أن يعيش الناس في هذه الحالة المليئة بالروحانية والتضرع الي الله بالدعاء". ولكن لم تمر ساعات طوال حتي فوجئت بتطوراً هائلاً حدث في العديد من شوارع الإسكندرية, وأن الأمر لم يقتصر علي الدعاء من شرفة المنزل بل امتد ليصبح مسيرات شعبية أو كما وصفها البعض " بمظاهرات الدعاء ". ووجدت حالة أغرب من ما حدث ألا وهي وصف ما جري بالإسكندرية بالمؤامرة من قبل بعض أعداء الوطن ، ناهيك عن حالات التنمر الشديد التي وقع تحت طائلتها ابناء المجتمع السكندري ووصمهم بالجهل واللامبالاة ، ولكوني تربيت وترعرعت بتلك المحافظة ودرايتي الجيدة بهذا المجتمع وددت أن ابين للناس ماذا حدث في تلك الليلة التي ترتبت علي آثارها عدة قرارات كان يرجوها معظم أطياف المجتمع المصري من الحكومة. بات المجتمع السكندري في السنوات الأخيرة بيئة خصبة لظهور ونمو فئة جديدة من الأفراد لهم نوع خاص من المعتقدات ومنهجية التفكير والفنون ، متأثرين بما اطلق عليه اخيراً (اغاني المهرجانات) وأمثلتها من فنون الثقافات الفرعية بالمجتمع ، وأغلب هذه الفئة من الفقراء والعاطلين والحاصلين علي قدر بسيط من التعليم ويطلق عليهم بالمجتمع السكندري مصطلح " السارسجية ". وهو مأخوذ من اسم الفيروس الشهير الذي انتشر في الصين في فترات سابقة " السارس " واختار أهل الإسكندرية هذا المصطلح الغريب لما شكله هذا الفيروس من خطر علي العالم أجمع ولما عاناه العالم في التوصل لعلاج له ، وتتسم هذه الفئة بتعاطيها المخدرات بشتي انوعها ( كحبوب الهلوسة, المنشطات, الاستروكس والحشيش ). ولما يعلمه الجميع من تأثير لهذه المواد المؤثرة علي الصحة النفسية والعقلية علي متعاطيها ، أصبحت هذه الفئة تعاني من العديد من المشكلات النفسية والعضوية مما جعلهم موصومين من قبل المجتمع بأن عقولهم مغيبة أو كما يطلق البعض " دماغهم ملحوسة ", وتتسم هذه الفئة ايضاً بالتسكّع والسهر طويلاً علي ناصية الشوارع والحواري بالإسكندرية لشرب المخدرات ومضايقة المارة وتسلية أوقاتهم التي هي دائماً في فراغ. وعلى الرغم من هذا فنجد أن هذه الفئة تتميز بالعاطفة الشديدة شأنهم كشأن بقية أفراد المجتمع المصري ولكنهم افتقدوا الإحساس بالإنتماء والهوية ودائماً ما يراودهم شعور بالتقصير والعذاب. ومن هنا ومع بدء هوجة التكبير والدعاء من المنازل وتحرك المشاعر والإحساس بالروحانية الذي اجتاح شتى شوارع الإسكندرية الذي لمس القلوب وبين باكياً وخائفاً وراجياً, كان لهذه الفئة ذو الطاقات المشحونة عاطفياً بالكبت والخوف والاحساس بالدونية والمعصية اداء مضاعف, فبدأوا يتأثروا أكثر وأكثر ويتحركوا من النواصي والحواري اللي الشوارع الرئيسية أثناء التكبير, وخُيل لهم أن تحركهم هذا لإفاقة اكبر عدد من المواطنين النائمين لحسهم علي الدعاء؛ هو ذلك الثواب الذي افتقدوا لفعله لمدة طويلة. ومع حركتهم في الشوارع والتكبير والدعاء بصوت عالي واستجابة الناس لهم أشبعهم عاطفياً ولكلما زادت التكبيرات من شرفات المنازل استجابة لهم زادت النشوة الروحية لديهم وبالتالي زادت هرمونات السعادة وغاب عنهم فايروس كورونا ، وما للتجمعات مثل هذه في انتشار الوباء وباتوا يرددوا ويهتفوا ويكبروا وتزداد الاعداد من هذه الفئة متقابلين في الشوارع الرئيسية مكونين مسيرات محشودة تلقائيا. ولهذا اختتم هذا المقال بأنه من تحدث عن المؤامرات المُعدة مسبقاً من قبل أعداء الوطن والوصم بالجهل لأهل الإسكندرية ليسوا علي أية دراية بالمجتمع السكندري ، ولا المجتمع المصري عموما, ولا بهذه الفئة المستجدة و على طبيعة وخصائص الأفراد بالمجتمع المصري ، وهنا يبرز دور علماء الاجتماع في الأهمية البالغة لدراسة هذه الفئة وغيرها دراسة علمية جادة حتي نكون قادرين علي استيعاب هؤلاء الأفراد وتجنب الوقوع في مثل هذا الفعل لاحقا .
