عاصم صبحي يكتب.....لغتنا العربية

عاصم صبحي يكتب.....لغتنا العربية
عاصم صبحي يكتب.....لغتنا العربية



" بلسانٍ عربيٍ مبين " الآيه ١٩٥ سورة الشعراء .
دعني عزيزي القارئ أبدأ موضوعي الذي هو بين يديك الآن تقرأه بقصة قصيرة مستعارة من صندوق ذكرياتي قسم ذكريات أيام الدراسة المدرسية ، فلا داعي أن أبدأ بسرد عقيم عن ماهية اللغة العربية و أهميتها و أصولها و جذورها و ما إلي ذلك من مفاهيم و تعاريف و مصطلحات لا طائل منها ، فبالبحث السريع السهل علي محرك جوجل بالشبكة العنكبوتية الانترنت سوف تجد ما لذ و طاب في تعريف اللغة العربية .
و الآن نعود بالذاكرة إلي بدايات النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي ، يبدو أنني أصبحت رجلاً عجوزاً يروي حكايات عاصرها من قرن مضي ، ما علينا فلنكمل حديثنا ، كنت وقتها في المرحلة الثانوية بإحدي أكبر و أعرف مدارس اللغات بالثغر بل و الجمهورية و هي كلية سان مارك " Collège Saint Marc “ ، اللغة الأم بهذه المدرسة هي اللغة الفرنسية ، نتعلمها و ندرسها بمجرد إلتحاقنا بالمدرسة ، أي بقسم الحضانة " Jardin d’ enfants “ أو "حديقة الأطفال " كما يطلق علي القسم ، نمضي في دراسة لغتنا الفرنسية إلي أن نصل لسنة تخرجنا من المدرسة و حصولنا علي شهادة الثانوية العامة .
قررت ادارة المدرسة بينما كنت كنت أنا في المرحلة الثانوية أن تفرض علي جميع طلبة و تلاميذ المدرسة التحدث باللغة الفرنسية داخل المدرسة و طوال ساعات اليوم الدراسي ، حتي أثناء أوقات الفسحة بل و خاصة أثناء تلك الأوقات ، و كان لدينا وقتان للفسحة أحدهما يبلغ خمسة عشر دقيقة و الثاني نصف ساعة ، هذا القرار بالطبع لا يسري علي حصص اللغة العربية و التربية الدينية و ما إلي ذلك من مواد لا تدرس إلا باللغة العربية ، و إن كنا درسنا مادتي العلوم و الرياضيات حتي نهاية المرحلة الاعدادية باللغة الفرنسية .
كان هذا القرار صادم للغالبية العظمي خاصة طلاب القسم الثانوي بمراحله الثلاث ، و علي ما أظن و أتذكر كنت أنا في الصف الثاني الثانوي بالقسم الأدبي ، و أقول غالبية لأنه كان من بيننا زملاء يتحدثون الفرنسية بطلاقة و يجيدونها أكثر مما يجيدون اللغة العربية و ذلك يعود لبيئتهم العائلية و نشأتهم و انتسابهم لجذور أجنبية ، مما أهل هؤلاء ليكونوا مشرفين و مراقبين لزملائهم أثناء الفسحة ، يحثونهم علي التحدث باللغة الفرنسية ، و يدونوا أسماء المخالفين و المعترضين و ما كان أكثرهم ، و علي ذلك وئد القرار في مهده إذ قوبل بتمرد يقوده طلاب المرحلة الثانوية ، لكنه تمرد خفيف الظل في اطار من الأدب يليق بمستوي طلبة و تلاميذ تلك المدرسة العريقة .
هذا الذي قصصته عليك لا ينتقص من قيمة و قدر مدرسين اللغة الفرنسية علي الاطلاق ، فأنا و إن كنت قد تخطيت سن الخمسين بقليل إلا أن لديّ من اللغة الفرنسية ما يؤهلني للتحدث بها مع عصافير باريس .
هذا و يرجع الفضل من بعد الله سبحانه و تعالي في تعزيز ملكة الكتابة و التأليف لديّ لأساتذة اللغة العربية الذين مررت بهم فترة إلتحاقي بالمدرسة ، فلولاهم ما كنت لأسطر بقلمي مقالات نالت القبول و الاستحسان من قارئيها .
أما و قد طالت المقدمة فمن اللائق و المستحسن أن أذهب بك إلي لُب الموضوع ، من المؤكد أنك تذهب و تتجول هنا و هناك ، في وسط مدينتك متجولاً في شوارعها ذاهباً إلي عملك ، أو باحثًا عن شئ ما تود أن تشتريه من احدي المحلات ، أو متسكعًا بلا هدف تحمل في يدك كوب القهوة المصنوع من الكرتون المقوي و قد اشتريته من مطحن بن يبيع كوب القهوة تيك آواي " Take away “ ، اسم المحل مكتوب علي واجهته باللغة الانجليزية " Colombian Coffee “ ، قد لا يلفت نظرك كون الاسم مكتوب بالانجليزية و لا يوجد ما يقابله باللغة العربية ، ذلك لأن محل الملابس الذي بجانبه يحمل اسماً مكتوبًا بالانجليزية أيضًا ، كذلك محل الأحذية ، و بالتأكيد محل الهواتف الذكية و مستلزماتها من الاكسسوارات ، فتأقلم بصرك كما تأقلم لسانك ، ثم شيئًا فشيئًا تتأقلم و تتعايش مع أسلوب حياة غريب عنك ، لا هو بالشرقي و لا حتي بالغربي و إنما هو خليط مسخ ، لا هو استمسك بشرقيته و هويته المصرية ، و لا يرقي للهوية الغربية إلا في تفاهات الأمور و مستصغرها .
أما إذا كنت متجولاً في احدي التجمعات الجديدة فيما يسمي بالكومباوند و أسواقها التجارية المجمعة المعروفة بالمول " Mall “ مع أصدقائك و قابلتم بالصدفة مجموعة من ال " Mutuel Friends “ ، فإنني قد أضطر دون تردد أن أكمل مقالي باللغة الانجليزية ، فلا جدوي هنا من أن أكمل بالعربية ، إذ أن كل ما يحيط بنا هنا لا يمت بصلة للغة العربية ، حتي أحاديثنا سوف يتخللها بعض الألفاظ " In Arabic “ .
يبدو أن بساط ثقافتنا العربية يسحب من تحت أقدامنا دون أن نشعر ، و حتي إذا أدركنا تلك الحقيقة فيبدو أننا سعداء بهذا السحب و يوافق هوانا المولع بكل ما هو آت من الغرب و لو علي حساب قيمنا و عاداتنا و تقاليدنا .
احتلال ناعم أنعم من الحرير ننزلق إليه بمنتهي الأريحية و التباهي الفارغ ، و للأسف لا أجد معترض أو مناد و منوه ينادي و يحذر من مسئولي الدولة و القائمين علي إدارتها ، فإعتمدت علي قلمي و كلماتي عل و عسي تحدث صدي فتسمع من هم في القصور ، احذروا يا سادة فإن لغة القرءان تسحب من بين أيدينا ..!! .

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى في عيد العمال...قيادة تلهم وسواعد تنجز ...إيهاب الفقي وفريقه نموذجا لصناعة النجاح في كهرباء الإسكندرية

معلومات الكاتب

 
Get new posts by email: