وهل للمِلحِ ذاكرة؟!
يتلألأُ التاريخُ على حبيباتِ البحرِ البيضاء، يحكي بين صمتِها وصوتِ الأمواجِ قصصَ المدينةِ العتيقة، قصصًا تتردَّدُ على الشواطئ، تراقبُ المراكبَ العابرة، وتهمسُ بأسرارٍ مضت على الأزمنة، قبل أن يَنسى أحدٌ.. أو يُنسى.
منذ وطئت أقدامُ الإسكندرِ الأكبرِ هذه البقعةَ الساحرةَ من الأرضِ قبل أكثرَ من ألفَيْ عام، والمدينةُ تمشي على دروبِ التاريخِ بخطى واثقة، تحمل على كتفيها عبقَ الماضي، نبضَ الحاضر وأملَ الغد. شوارعُها الممتدةُ من بحري حتى سيدي بشر تحكي قصصًا متعاقبة، كما لو كانت صفحاتٍ من دفترٍ عتيق؛ من الأسواقِ الشعبيةِ المزدحمةِ إلى المقاهي المطلةِ على الكورنيش، حيث تختلطُ رائحةُ القهوةِ بصوتِ الباعةِ وحكاياتِ المارَّة، وتتبعثرُ على الأرصفةِ أصواتُ الموسيقى القديمةِ التي تعكس روحَ المدينةِ الحيَّة. في الأزِقَّةِ الضيقة، تتشابكُ الأرواحُ بين ضحكاتِ الأطفالِ الذين يركضون خلفَ الطيور، وبين خطواتِ كبارِ السنِّ الذين يحملون معهم ذكرياتِ العصورِ الغابرة.
تغيَّرتِ الإسكندريةُ كثيرًا في العقودِ الأخيرة، لكن روحَها لم تتبدَّل، وما زالت الأمواجُ تهمسُ بأسرارِها القديمة، حاملةً بين حركاتِها نبضَ المدينةِ الخفِي. عماراتٌ شاهقةٌ ارتفعت مكانَ بيوتٍ قديمةٍ عتيقة، وأسواقٌ تقليديةٌ فقدت بعضًا من بريقِها أمام مراكزَ تجاريةٍ حديثة، ومع ذلك بقي للمدينةِ نبضُها الخاصُّ الذي يلمسه كلُّ من عاش فيها أو زارها: بسطاءٌ يواجهون صعوباتِ المعيشةِ بابتسامةٍ صافيةٍ، وشبابٌ يحلمون بمستقبلٍ أوسع، وكبارُ سنٍّ ما زالوا يروون ذكرياتٍ مضت بحنينٍ لا ينقطع، وبصوتٍ يختلطُ مع صدى البحر.
في قلبِ الأسواقِ القديمة، حيثُ الأنفوشي والمندرة، تتراقصُ الحياةُ بين ألوانِ الفواكهِ الزاهية، ورائحةِ السمكِ الطازجِ، وأصواتِ الباعةِ الذين يملأون المكانَ حركةً ونشاطًا مستمرَّين. هنا، كلُّ زاويةٍ تحكي حكايةً عن أهلِ المدينةِ الذين يقطنون هذه الأماكنَ منذ عقود، وكلُّ ركنٍ يروي شيئًا من ذاكرةً الزمن، حيث تتقاطع خطواتُ المارَّةِ مع صدى الماكيناتِ القديمة، وألوانُ الجلودِ والنسيجِ تعيد إلى الأذهانِ صورًا من الماضي العتيق.
وفي المقاهي العتيقة، يلتقي الشبابُ والكبار، يتبادلون الأحاديثَ حول السياسةِ والثقافةِ والفنون، فيما يقرأ الطلابُ الكتبَ قبل دوامِهم، وكأن المدينةَ بأكملها تختصرُ رحلةَ العلمِ والمعرفةِ في ردهاتها الضيقةِ وأَزِقَّتها الطويلة. بين جدرانِها ينبضُ قلبُ المدينةِ بمزيجٍٍ من الحنينِ والشغفِ والطموحِ، ويبرز حضورُ الثقافةِ والفكرِ في كلِّ حديث، وفي كلِّ ابتسامةٍ تعانق الماضي بالحاضر.
وليس البحرُ بعيدًا عن هذه الحياة؛ فهو حاضرٌ كخلفيةٍ طبيعيةٍ للكورنيشِ الذي يلتقي فيه السكانُ عند الغروب، ومَعْلمٌ سياحيٌّ دائمٌ للزوارِ من كلِّ حدبٍ وصوب. تمتدُّ أمواجه برفقٍ على الشاطئ، كأنها تهمسُ بأسرارِ المدينةِ القديمة، فيما يركض الأطفالُ على الرمالِ بحيويةٍ لا تنتهي، وتجلسُ العائلاتُ على المقاعدِ الحجرية، تنتظر خيوطَ الشمسِ الأخيرةِ التي تصنع لوحةً من الضوءِ والظلال.
تاريخيًّا، لعبت الإسكندريةُ دورًا محوريًّا في مصرَ والعالم. مكتبتُها القديمةُ كانت منارةً للعلمِ والفكر، اجتذبت العلماءَ والفلاسفةَ من شتى أصقاعِ الأرض، وخلَّدت اسمَ المدينةِ في ذاكرةِ البشرية. أما مكتبتُها الحديثةُ اليوم، فقد استكملت هذا الإرثَ العظيم، لتبقى مركزًا ثقافيًّا نابضًا بالحياة، حيث يلتقي الماضي بالحاضرِ في تناغمٍ رائعٍ، وتُعقد المؤتمراتُ وتُقام الندواتُ التي تنير عقولَ الباحثينَ والطلابِ على حدٍّ سواء.
وحين نذكر الإسكندرية، نذكر توفيق الحكيم الذي أسهمَ في إثراءِ المسرحِ والفكر، إلى يوسف إدريس الذي جسَّد المجتمعَ السكندريَّ في رواياتِه ومسرحياتِه، مرورًا بعلوية الجندي التي تناولت الواقعَ المحليَّ بروحٍ أدبيةٍ عميقة، وصولًا إلى طه حسين الذي ساهمَ في نهضةِ الفكرِ والثقافة، وإدوار الخراط ومحمود طه اللذَين تركا أثرًا بالغًا في الأدبِ والتحليلِ الثقافي، والقائمة تطول.. كلُّ واحدٍ منهم ترك بصمةً لا تُمحى في ذاكرةِ الإسكندرية بل والوطن أجمع، ليظل اسمُ الإسكندرية مرتبطًا بالإبداعِ المصريِّ الأصيل.
التحدياتُ الاقتصاديةُ والاجتماعيةُ التي تواجهُها المدينةُ واضحة، كأنها موجاتٌ متتابعةٌ تختبر صبرَ سكانِها: ازديادُ السكانِ الذي يضغطُ على المرافقِ والخدمات، زحامُ المرورِ الذي يرهقُ أعصابَ المارَّة، ارتفاعُ الأسعارِ الذي يثقلُ كاهلَ الأسر، وتقلّصُ المساحاتِ الخضراءِ التي كانت ملاذًا للراحةِ والهدوء. ومع ذلك، يبقى السكندريون صامدين، يحملون روحَ المدينةِ في قلوبِهم، ويستثمرون في الثقافةِ والفنونِ كوسيلةٍ للحفاظِ على هويتهم وتجاوزِ العقباتِ اليومية.. مهرجاناتٌ مثل "الإسكندرية السينمائي"، ومعارضُ الكتبِ والموسيقى، لا تعكس فقط نشاطَ المدينةِ الفني، بل تحكي قصةَ شعبٍ يُصِرُّ على أن يبقى نابضًا بالحياةِ، محافظًا على جمالِه وروحه المتجددةِ وسط التغيّراتِ المستمرة.
الإسكندريةُ اليوم تمثّل صورةً مصغّرةً لمصرَ بأكملها، لوحةً حيَّةً تتشابك فيها ألوانُ العاداتِ والتقاليد، وتلتقي فيها أحلامُ الأجيالِ الجديدةِ مع تحدِّياتِ الحياةِ اليومية، في مزيجٍ غنيٍّ يعكس عمقَ تجربةِ المصريين المتنوعة.. ورغم كلِّ ما تبدَّل، تبقى الإسكندريةُ مدينةً تحكي للموجِ حكاياتٍ لا تنتهي، وتعانق الشمسَ عند الغروبِ بيدٍ ممتدّةٍ من الذهبِ الذي يناطح السماء، وتحتضن الليلَ بأهدابٍ من نورِ القمر. كلُّ شارعٍٍٍ فيها قصيدة، وكلُّ زاويةٍ فيها لحنٌ يهمسُ بأسرارِ الزمن، وكلُّ موجةٍ على شاطئِها همسةٌ من الماضي الذي لا يموت، يحمل ذكرياتِ الأجيالِ وحكاياتِ العابرين.
إسكندريتنا تُعلِّمنا أن الحياة ليست حجارةً تُرَصُّ ولا أرصفةً تُمَد، بل هي قلوب تنبض في أحيائها، وذكريات تنسج حكاياتها، وأحاديث لا ينقطع صداها بين أهلها وزائريها. هناك، حيث تلتقي الأصواتُ بالألوان، وتمتزج الروائحُ بنَفَسِ البحر، تتشكَّل سيمفونية فريدة لا تُشبه إلا نفسها، تشهد على قدرة الإنسان أن يعيش بالحب والشغف مهما تبدَّلت الأزمنة.
منذ آلاف السنين كانت الإسكندرية منارةَ العلم ومهدَ الفكر، فيها قامت مكتبتها العظمى التي جمعت علوم الدنيا، ومنها أبحرت سفن الحضارة نحو المتوسط والعالم، وعلى رمالها مرَّت الفلسفة والفنون، وفي أحيائها اختلطت الثقافات والحضارات لتصوغ هويةً إنسانية متفرِّدة، لتبقى الإسكندرية مُعَلِّمَةً للروح، ومُلْهِمَةً للعقول، وسرًّا خالدًا يربط الماضي بالحاضر، وجمالًا لا يزول أثره من الوجدان، ولا ينطفئ وهجه في ذاكرة التاريخ.
