العدالة الدولية المفقودة عندما تُحل القوة محل القانون

العدالة الدولية المفقودة عندما تُحل القوة محل القانون
العدالة الدولية المفقودة عندما تُحل القوة محل القانون
عندما تُنتهك السيادة ، ويُمسّ رمز الدولة ، وتغيب القيم الأخلاقية ، يفقد القانون الدولي معناه ، وتتحول قواعده إلى نصوص بلا قيمة أو أثر . فقد شهدنا في الآونة الأخيرة ما أقدمت عليه الولايات المتحدة الأمريكية من اختطاف رئيس دولة فنزويلا ، في سابقة خطيرة تمثل تحولًا غير مسبوق في السياسات والأعراف الدولية ، وانتهاكًا صريحًا لكافة المواثيق والاتفاقيات الدولية ، بما يفرغ القانون الدولى والمنظمات الدولية من دورها في المجتمع الدولي . وفي حقيقة الأمر ، يدرك الجميع أن منظومة المنظمات الدولية تعاني من اختلال بنيوي غالبًا ما يصب في مصلحة القوى الكبرى ، وليس أدلّ على ذلك من احتكار خمس دول فقط لحق النقض (الفيتو) داخل مجلس الأمن طبقًا لنص المادة (23) من ميثاق الأمم المتحدة ، مما يمنحها قدرة شبه مطلقة على تعطيل العدالة الدولية . إن ما أقدمت عليه الولايات المتحدة الأمريكية لا يستند إلى أي أساس قانوني معترف به دوليًا ، بل تحظر المواثيق الدولية مثل هذه الأفعال حتى بحق الأفراد العاديين . ولذا يصبح من الضروري استعراض النصوص القانونية التي تحظر استخدام القوة ، وتجرّم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ، وتؤكد على مبدأ المساواة في السيادة لتبيان جسامة هذا الفعل وخطورته على النظام الدولي بأسره . ويُعد ميثاق الأمم المتحدة الإطار القانوني الأساسي للعلاقات الدولية المعاصرة ، وقد نصّ في المادة الثانية على مجموعة من المبادئ ، من بينها مبدأ المساواة في السيادة بين جميع الأعضاء ، وحظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي ، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول . كما يؤكد العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المادة الأولى على أن " لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها ، وهي حرة في تقرير مركزها السياسي". ومن ثم ، فإن أي اعتداء على رئيس دولة منتخب أو معترف به دوليًا يُعد اعتداءً مباشرًا على حق الشعب في تقرير مصيره ، وانتهاكًا لأساس شرعية الدولة . كما تنص المادة السادسة أيضًا على أنه " لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ، ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة "، ويؤكد هذا النص أن أي محاكمة يجب أن تتم أمام قضاء مختص ومستقل ، وأن أي إجراء خارج الأطر القضائية يُعد انتهاكًا للحق في المحاكمة العادلة ويفتقر إلى الشرعية القانونية . إن تجاوز المبادئ الأساسية للسيادة واستخدام القوة بشكل انتقائي أدى إلى تآكل الأسس التي قامت عليها الشرعية الدولية منذ إنشاء الأمم المتحدة ، وجعل العدالة الدولية رهينة للمصالح السياسية للقوى الكبرى . وعليه، فإن إعادة الاعتبار للقانون الدولي تتطلب الالتزام الصارم بميثاق الأمم المتحدة ، واحترام قواعد الاختصاص القضائي ، وضمان حق الشعوب في تقرير مصيرها دون ازدواجية أو انتقائية . فالقانون الدولي ، إن لم يُطبق على الجميع دون استثناء ، يفقد جوهره ، وتصبح العدالة الدولية مجرد شعار بلا سند من الواقع أو الشرعية .

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى في عيد العمال...قيادة تلهم وسواعد تنجز ...إيهاب الفقي وفريقه نموذجا لصناعة النجاح في كهرباء الإسكندرية

معلومات الكاتب

 
Get new posts by email: