عاصم صبحي يكتب .....يا مصر بتعمليها إزاي؟

عاصم صبحي يكتب .....يا مصر بتعمليها إزاي؟
عاصم صبحي يكتب .....يا مصر بتعمليها إزاي؟


في شهر رمضان من العام الجاري ٢٠٢٦ ، ظهرت أغنية حملت عنوان " هنا مصر" بصوت النجمين محمود العسيلي و بهاء سلطان ، ضمن حملة إعلانية لأحد البنوك المصرية . لكن سرعان ما تجاوزت الأغنية حدود الإعلان لتتحول إلى حالة جماهيرية عارمة ، و بات سؤالها الأبرز يتصدر وسائل التواصل الاجتماعي و المحادثات اليومية : " يا مصر بتعمليها إزاي؟ ".
هذا السؤال البسيط في صياغته ، العميق في مغزاه ، صار تعبيرًا شائعًا يستخدمه المصريون في مناسبات متعددة ؛ للاندهاش من قدرة المصريين علي فعل ما لا يتوقعه أحد ، و للتعبير عن لحظات النجاح و التحدي ، و حتي في المواقف الكوميدية .
فما المغزي من هذا التساؤل؟ و كيف يمكننا الإجابة عليه ؟ . السوائل " يا مصر بتعمليها إزاي؟ " يحمل في طياته أكثر من مجرد استفهام . إنه تعبير عن الحيرة الممتزجة بالفخر ، حيرة المحب الذي يري محبوبته تفعل المستحيل فيسأل مندهشًا : كيف تفعلين هذا ؟ و كيف لكِ أن تكوني كل هذا ؟ .
تأتي الإجابة في كلمات الأغنية نفسها ، حيث يرد المغني : " إزاي و أنا قلبي مش نساي ؟ و الله حيرتيني . ده أنتي حتة مني و أنا حتة منك طبق الأصل ، و كفاية إني أمي و حبيبتي تبقي مصر " .
فالسؤال هنا ليس استفهامًا عن آلية مادية ، بل هو بوح عاطفي يعبر عن علاقة وجدانية عميقة بين الإنسلن و وطنه . إنه سؤال يُطرح عندما يعجز اللسان عن وصف مشاعر الانتماء ، و عندما تتفوق العاطفة علي المنطق . مصر ليست مجرد وطن في هذه الكلمات ، بل هي أم و حبيبة و " حتة مني " . علاقة حميمية تتجاوز أي تعريف سياسي أو جغرافي .
مصر بتعملها إزاي؟ . إذا كان السوائل يحمل هذه المشاعر ، فكيف يمكننا الإجابة عليه ؟ ، الإجابة ليست في تفسير واحد ، بل في مظاهر متعددة تتجلي فيها قدرة مصر علي ادهاش أبنائها .
بصمودها رغم الصعاب . إذ تقول كلمات الأغنية: " و أخاف من إيه ؟ ما يأسي خلاص كسرت عينيه . و عديت شدة ورا شدة و لا اتهديت " .
هنا إجابة ضمنية : مصر بتعملها إزاي ؟ بالصمود . بشعب يعبر الشدة تلو الشدة و لا ينهار ، بيأس يكسره التحدي و ليس العكس . هذه الروح المصرية التي تتحول فيها المحن إلي منح ، و الصعاب إلي حكايات تُروي بالفخر .
بجمالها الذي يأسر القلوب . " حتي اسمك اللي شايله الدنيا بتعد في جمايله " . مصر تفعلها بجمالها الذي لا يوصف ، جمال النيل الذي " ماشي في شوارعها " ، و جمال تاريخها و حضارتها ، و جمال شعبها الذي يجعلك تعود إليها " كل مرة " رغم كل شيء .
بإنجازاتها التي تدهش العالم . ارتبطت الأغنية في الفترة الأخيرة بمبارايات منتخب مصر في كأس العالم ، حيث استخدمها الجمهور للتعبير عن النتائج الإيجابية التي حققها المنتخب ، حتي في خروجه من دور الستة عشر من البطولة ، كان خروجه ظلمًا بفضيحة تحكيمية مدوية هزت أرجاء العالم ، فكان الظلم الذي وقع علي المنتخب المصري لصالح نظيره الأرجنتيني بمثابة وقود ذري رفع اسم و علم مصر عاليًا خفاقًا في أرجاء المعمورة ، و باتت مصر حديث سكان الكرة الأرضية .
و هنا تتجلي إجابة أخري : مصر بتعملها إزاي؟ بإنجازاتها التي تضعها في مقدمة الصفوف ، في الرياضة و الثقافة و الاقتصاد ، و في كل مجال تضع فيه قدمها .
بشعبها الذي لا يتوقف عن الدهشة بها . المفارقة الجميلة أن السؤال نفسه أصبح إجابة . فالمصريون عندما يرددون " يا مصر بتعمليها إزاي ؟ " في لحظات النجاح أو المفاجأة ، إنما يعبرون عن فخرهم بوطنهم الذي لا يكف عن ادهاشهم .
الأغنية التي بدأت كإعلان تجاري تحولت إلي حالة ثقافية و تعبيرية منتشرة ، تجمع بين الطابع الوطني و الروح الشعبية . و هذا في حد ذاته مثال علي كيف " بتعملها مصر " : تحول البسيط إلي عظيم ، و العادي إلي استثنائي .
" يا مصر بتعمليها إزاي؟ " ليس سؤالًا يحتاج إلي إجابة علمية أو تحليلية . إنه صرخة حب ، نشوة فخر ، دهشة متجددة بوطن لا يشبه أي وطن آخر . الإجابة الحقيقية عليه لا تُكتب في مقالات ، بل تُعاش في كل مرة يُعبر فيها مصري عن حبه لمصر ، في كل انتصار يحققه ، في كل ابتسامة يبتسمها رغم الألم ، و في كل مرة يعود فيها إليها قائلًا :" هنا مصر و هنا قلبي " .
فمصر تفعلها بأبنائها ، و بعلاقتهم الفريدة بها ، و بقدرتها علي أن تظل ـ رغم كل شيء ـ " أمي و حبيبتي " . و هذا وحده كاف للإجابة : يا مصر بتعمليها إزاي؟ بتعمليها لأنك مصر .

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق آلاء نشأت تكتب ...عم مِدني و شخصيات على الهامش

معلومات الكاتب

 
Get new posts by email: