قراءة في مرونة الذهن البشري حين تتراجع الحواس التقليدية للإدراك ساد لدى المدرسة التقليدية للفن اعتقاد بأن جوارح الإنسان هي المسؤولة عن إثراء وتنمية إبداعه عبر ما يستقبله من الواقع المحيط؛ ليستوعب عقله تلك المعطيات التي تمررها حواسه، ثم يترجمها برؤيته الخاصة. ومن هذا المنطلق، ارتبط كل فن بالحاسة التي تشكل له بوابته الرئيسية؛ فحاسة السمع مفتاح الموسيقى والبصر مدخل الرسم. هل يحد الإبداع عائق؟ وقفنا كثيراً أمام أمثلة لأشخاص تحدوا أنفسهم لكي يظهروا إلى النور متغلبين على عوائقهم؛ طه حسين كان كاتباً مرموقاً ذاع صيته. غير أن كف بصره لم يثن عقله الفذ عن الإبداع في كتبه وأفكاره. رغم عظمة تلك التجارب، إلا أنها كانت تخوض التحدي في مجالات لا تصطدم فيها الإعاقة صدمة مباشرة بالحاسة الأساسية للفن؛ فالفكر والأدب يتجاوزان حدود البصر. ولكن، ماذا يحدث عندما تصيب الإعاقة الحاسة الوحيدة التي يقوم عليها فن بعينه؟ هل يمكن ليدين لم يَرَ صاحبهما الضوء قط أن ترسم ظلالا، أبعاداً، وألواناً؟ وهنا تقتضي الضرورة أن نرجع إلى نماذج إنسانية استثنائية كسرت حدود االمألوف؛ مسيرة لرجل لم يعتمد على عينيه ليبصر العالم، بل على أنامل أصابعه التي راحت تستكشف أبعاد المجسمات والملامح لتنقلها إلى مساحته الفنية. فلم تكن الشهرة دافعه، بل كان يحركه شغف للاتصال بالحياة، يعبر عنه بنفسه قائلاً: "لم أكن أريد أن أكون رساماً، ولكنني فقط أريد أن أعرف العالم الذي أعيش فيه.. أريد أن أعرفه بأدق تفاصيله." هذا الرجل اسمه أشرف أرماغان، رسام تركي وُلد ضريراً عام 1953، ولم يختزن عقله شريطاً واحداً للضوء طوال حياته. رغم أنه نشأ في عائلة بسيطة ولم يتلق أي تعليم أكاديمي في الفنون، إلا أن لوحاته عرضت في أكثر من عشرين معرضًا حول العالم، وتتضمن مناظر طبيعية، ووجوهًا، ومشاهد فيها منظور هندسي دقيق؛ أشياء افترض علماء الأعصاب وأوساط الفن لعقود طويلة أنها تحتاج إلى عين ترى لتُتقَن. لقد برهن أرماغان على أن العقل البشري يملك منافذ سرية للإدراك لا تتوقف عند حدود العين المجردة، فتحول من حالة فريدة إلى لغز علمي وفلسفي يعيد كتابة تعريف الرؤية نفسها. بيد أنه، كيف لشخص لم ير العالم قط أن ينقل مجسماته ثلاثية الأبعاد إلى مساحة مسطحة، وبأي أدوات يبني هذا العالم؟ طريقة برايل... في الرسم ترتكز فلسفة قراءة برايل لدى المكفوفين على تحويل الحروف إلى نتوءات بارزة تدركها أنامل الأصابع؛ لتصبح حاسة اللمس امتداداً واعياً للإبصار. ومن هذا، صاغ أشرف معادلته الخاصة في الرسم، مُحولاً السطح الأملس للوحة إلى خارطة ذات معالم بارزة يتخيلها في عقله أولاً قبل أن ينقلها إلى الواقع. بدأت بذور هذه التقنية بأسلوب بدائي؛ حيث كان يضع ورق الصحف تحت الورق المقوى، ويسحب قلمه بضغط عالٍ ليصنع حفرات مجوفة ومحزوزات بارزة يتحسسها بيده ليراجع استقامة خطوطه. ومع تطور تجربته وانتقاله إلى الرسم على التوال، ابتكر أسلوبه الأشهر: يغمس خيوط في الغراء الأبيض، ويثبتها على السطح لتجف وتُشكل خطوط أولية للمجسمات التي يتخيلها سواء كانت مباني، أو وجوهاً، أو عناصر طبيعية. لم تكن الأدوات التقليدية كالفرشاة تفي بمتطلبات هذه الخارطة؛ لذا اعتمد أرمغان على التلامس المباشر عبر أنامله. يسأل مساعديه عن ترتيب أنابيب الألوان ويحفظ مواضعها بدقة متناهية، ثم يبدأ في فرد اللون داخل الأطر البارزة. اعتمد أشرف على ألوان سريعة الجفاف (كالأكريليك)، إذ يقتضي تكنيكه انتظار جفاف كل طبقة لونية تماماً قبل البدء في المساحة المجاورة؛ وذلك لضمان عدم اختلاط الألوان عشوائياً كالتداخل بين الأزرق والأصفر. والمذهل أنه لم يجنح إلى الرسم التجريدي للهروب من تعقيدات الواقع، بل أصر على اقتحام الفن التشكيلي الواقعي المبني فيزيائياً على انعكاس الضوء، بالرغم من أنه أيسر له. وعندما واجه تحدي المنظور، فكيف يمثل شجرة بعيدة أو شارعاً يمتد في الأفق على لوحة؛ قصد قسم الفنون بجامعة "مرمرة". وفي جلسة شرح لم تتجاوز نصف ساعة، بسّط له أحد الأساتذة مفهوم المنظور بمثال: تخيل طريقاً ممتداً أمامك، تكون حافتيه عريضة ومتباعدة عند قدميك، ثم تضيق الحافتان وتتقاربان كلما ابتعد الطريق عنك، كحرف (A) دون خطه الأوسط. كانت هذه اللمحة كافية ليستوعب أرمغان الشفرة للمنظور ويطبقها في لوحاته بدقة. شاع في دراسات علم النفس العصبي أن الكفيف يُعيد بناء مجاله الفضائي عبر السمع والتحديد الصوتي؛ إلا أن أرمغان أثبت أن حاسة اللمس قادرة على أن تخلق بديلها البصري الخاص، فتدرك الاتجاهات، والنسب، والظلال، والعمق الفضائي بالدقة ذاتها التي يلتقط بها البصرُ الضوء. حين أضاءت "منطقة الرؤية" في دماغ رجل لم ير قط كانت الفرضية العلمية السائدة تجزم بأن القشرة البصرية وهي المنطقة المسؤولة عن معالجة الصور والمشاهد البصرية في الدماغ تتعرض لضمور وظيفي أو تظل خاملة لدى من ولدوا بكف بصري تام، لغياب الإشارات الضوئية القادمة من الشبكية. غير أن ظهور أرماغان بقدرته على تمثيل المنظور والمجسمات ثلاثية الأبعاد دون أي ذاكرة بصرية سابقة، أثار تساؤلاً حول كيفية بناء العقل للخارطة المكانية بتلك الدقة في غياب المحفز البصري. وللإجابة عن هذا السؤال، دعاه فريق بحثي من جامعة هارفارد في عام 2004، تحت إشراف عالمي الأعصاب أمير عامدي وألفارو باسكوال ليوني؛ فقد أخضع أرماغان لفحوصات داخل جهاز رنين مغناطيسي وظيفي (fMRI) أثناء قيامه بثلاث مهام: عند لمسه مجسمات معينة، وعند تخيله للرسم، وعند ممارسته للرسم فعلياً داخل الجهاز. أظهرت نتائج المسح أن القشرة البصرية لدى أرماغان كانت تضيء بنشاط واضح، بنمط يتماثل كثيرًا ما يحدث في دماغ شخص ينظر إلى الأشياء فعليًا؛ رغم أنه كفيف منذ الولادة. لقد استطاع عقله أن يبتكر طريقته الخاصة لرؤية العالم، معتمداً على اللمس والتخيل بدلاً من العين. وقد قدم هذا الاكتشاف دليلاً ملموساً لمفهوم المرونة العصبية والتكيف العابر للحواس؛ إذ أثبتت الدراسة أن القشرة البصرية في الدماغ البشري لا تعتمد فقط على استقبال الضوء القادم من شبكية العين، بل هي وحدة معالجة معقدة للمعلومات. ولم تقتصر الأبحاث على مسوحات هارفارد، بل امتدت لتشمل دراسات إدراكية في جامعة تورونتو برئاسة عالم النفس المعرفي جون كينيدي؛ والذي أثبت عبر تجارب رسم الأشكال الهندسية أن حاسة اللمس لا تكتفي بالتعرف على الأسطح، بل تدرك زوايا الاتجاه والمنظور المائل بالدقة ذاتها التي يدركها البصر. لا مراء في أنّ عبقرية أشرف أرماغان استثنائية، ولكنّ علم الأعصاب يساعدنا إلى حدّ بعيد في فهمها، فالحواس كلها -بصرا وسمعا وشما ولمسا وتذوّقا- تمثل مستشعرات يلتقط بها الإنسان معلوماته عن العالم الخارجي، ووفقها يفسر المرء المعلومات التي تستقبلها حواسه تفسيرات شتى. هذا الطرح لا يعني أن العمى "لا يهم"، ولا يقلل من التحديات الحقيقية والصعبة التي يواجهها من يعيشونه يوميًا. لكنه يعني أن العلاقة بين الحاسة والقدرة الإبداعية أكثر مرونة بكثير مما افترضته أجيال من المدارس الفنية التقليدية. خاتمة: العين ترى.. والعقل يبصر قد يستحضر الذهن هنا تجربة بيتهوفن، الموسيقار الذي هز العالم بسيمفونياته وهو لا يسمعها؛ غير أن بيتهوفن أبدع متكئاً على ذاكرة سمعية ثرية تشكلت في سنوات شبابه الأولى. أما أشرف أرماغان، فقد أتقن المنظور وتلوين ملامحه وتوزيع الضوء دون أن تختزن ذاكرته شريطاً واحداً للضوء، ليعيد بذلك رسم حدود الإدراك البشري. تتجاوز تجربتا أرماغان وبيتهوفن السردية الشائعة عن قوة الإرادة في هزيمة العجز الجسدي؛ فهما يكشفان أن الإبداع لا يكمن في الحاسة ذاتها، بل في قدرة العقل على تنظيم البيانات ومعالجتها. لقد كشف فقدان الحاسة لديهما عن آلية إدراكية تعمل لدى كل فنان، لكنها تكون محتجبة عادة خلف سهولة الرؤية والسمع المباشرين. تضعنا تلك التجارب في مواجهة سؤال حتمي: هل صرنا بحاجة لإعادة النظر في مفهوم الإبداع؟ وهل أثبتت هذه العقول الاستثنائية أن لكل إنسان الحق -والقدرة- في ممارسة أي فن يختاره، مهما كانت الأبواب أمامه تبدو مسدودة؟
أسطورة الحاسة الواحدة: كيف يكسر العقل احتكار الجسد للفن
السابق
عاصم صبحي يكتب..علي مقهي حرب
