من مدينة دجوجو شمال بنين، انطلقت رحلة لاعب اختار أن يطارد حلمه خارج حدود وطنه، متنقلًا بين إيطاليا وفرنسا والتشيك، حتى أصبح أمام اختبار غير متوقع بعد إصابة الرباط الصليبي. 155 مباراة مع ستة أندية، وتجربة دولية مع منتخب بنين تحت 23 عامًا، وطموح لا يزال يتجاوز الحدود.. إنها حكاية عدنان عزيز، اللاعب الذي يبحث اليوم عن فرصة جديدة للعودة إلى كرة القدم.

في كرة القدم، لا تُكتب جميع الحكايات بالأهداف والانتصارات، فهناك قصص تبدأ من مدن بعيدة عن الأضواء، وتكبر عبر سنوات من التضحية والعمل، ثم تواجه لحظة قاسية تختبر حقيقة الإيمان بالحلم.
هذه المرة، تأتي الحكاية من بنين، وتحديدًا من مدينة دجوجو شمال البلاد، حيث بدأ المهاجم عدنان عزيز رحلته مع كرة القدم، قبل أن تقوده طموحاته إلى تجارب متعددة في الملاعب الأوروبية.
اليوم، لم يعد التحدي بالنسبة إليه مجرد تسجيل الأهداف أو البحث عن نادٍ جديد، بل أصبح استعادة الجاهزية بعد إصابة خطيرة في الركبة، وإثبات أن الإصابة لا تعني بالضرورة نهاية المسيرة.

إنها قصة لاعب لا يريد أن تكون أصعب لحظة في حياته هي آخر ما يُذكر عنه.
من دجوجو إلى أوروبا.. حلم أفريقي لم يعرف الحدود
وُلد عدنان عزيز في الأول من يناير عام 2002 بمدينة دجوجو في شمال بنين، ونشأ محاطًا بشغف كرة القدم، حتى تحولت اللعبة تدريجيًا من هواية إلى مشروع حياة.
بدأ خطواته الكروية عام 2014 مع نادي سولاي إف سي، ثم واصل تطوره مع تشيمابي إف سي، قبل أن تفتح أمامه أبواب التجربة الأوروبية عام 2018.
لم يكن الطريق سهلًا، فالانتقال المبكر إلى بيئات كروية مختلفة يعني مواجهة تحديات اللغة والثقافة والمنافسة والتأقلم مع أساليب تدريب جديدة.
لكن عدنان اختار خوض التجربة، مدركًا أن بناء مسيرة احترافية يتطلب الصبر والاستعداد لتحمل الصعوبات.
وكان دعم الأسرة أحد العناصر الأساسية في استمرار رحلته، خاصة خلال المراحل الأولى التي احتاج فيها إلى إقناع محيطه بأن كرة القدم يمكن أن تتحول إلى مستقبل مهني حقيقي.
ثلاث دول أوروبية.. و155 مباراة تحكي سنوات من الطموح
شهدت مسيرة عدنان عزيز محطات متعددة في إيطاليا وفرنسا وجمهورية التشيك.
بدأ تجربته الأوروبية مع برو تشيتفيليو الإيطالي، قبل الانتقال إلى أنجيه إم إف سي الفرنسي، حيث استمر حتى عام 2020.
بعد ذلك، خاض تجربة مع إف كيه كرالوفو دفور في جمهورية التشيك، ثم عاد إلى فرنسا عبر أولمبيك سومور.
وفي عام 2022، استأنف رحلته الإيطالية مع ليكاتا كالتشيو، قبل أن ينضم إلى جوفينليا روزيتو، حيث واصل مسيرته حتى عام 2026.
وبحسب الإحصائيات المنشورة عبر موقع Emilia Romagna Sport، بلغ رصيده 155 مباراة مع ستة أندية، موزعة على النحو التالي:
- 64 مباراة مع أنجيه إم إف سي.
- 48 مباراة مع جوفينليا روزيتو.
- 28 مباراة مع أولمبيك سومور.
- 6 مباريات مع سولاي إف سي.
- 5 مباريات مع إف كيه كرالوفو دفور.
- 4 مباريات مع ليكاتا كالتشيو.
هذه الأرقام لا تشمل إحصائيات تفصيلية عن تجربتيه مع تشيمابي إف سي وبرو تشيتفيليو.
وراء كل مباراة من هذه المباريات تجربة جديدة، ومرحلة مختلفة من التعلم، ومحاولة مستمرة لإيجاد مكان داخل كرة القدم الأوروبية.
شهادات من فرنسا وإيطاليا.. لاعب ترك انطباعًا يتجاوز المستطيل الأخضر
لا تتوقف قيمة أي تجربة كروية عند عدد المشاركات فقط، فالعلاقات الإنسانية والانطباعات التي يتركها اللاعب داخل الأندية تشكل جانبًا مهمًا من مسيرته.
وخلال تجربته مع أنجيه إم إف سي في فرنسا، تحدث أشخاص عرفوا عدنان عن التزامه الكبير ورغبته المستمرة في التطور.
ويستعيد أندريه وكاماتي وديوريان ندجامس صورة لاعب كان يحرص على العمل الإضافي، ولا يكتفي بالتدريبات المعتادة، بل كان يبحث باستمرار عن فرص لتحسين مستواه.
كما يتذكرون ارتباطه بتجربته مع منتخب بنين تحت 23 عامًا، ومرافقتهم له إلى مطار نانت قبل سفره إلى كوتونو.
أما في إيطاليا، فقد تحدث روكو بارليتا، رئيس نادي جوفينليا روزيتو، بإيجابية عن شخصية اللاعب، مشيدًا بتواضعه واحترامه وانضباطه والتزامه تجاه الفريق.
هذه الشهادات تقدم جانبًا آخر من شخصية عدنان، وتوضح أن رحلته لم تكن مجرد انتقال بين الأندية، بل تجربة إنسانية ورياضية تركت انطباعات لدى أشخاص عملوا معه.
بنين.. حضور دولي وطموح أفريقي يتجاوز الحدود
حصل عدنان عزيز على فرصة تمثيل منتخب بنين تحت 23 عامًا في ثلاث مباريات ودية، سجل خلالها هدفًا واحدًا.
وجاء هدفه في مواجهة أزيزا إف سي يوم 27 يوليو 2022، في مباراة انتهت بفوز بنين بخمسة أهداف دون مقابل.
وتظل هذه المشاركات محطة مهمة في مسيرته، مع ضرورة التمييز بينها وبين المشاركات الرسمية في البطولات الدولية أو تمثيل المنتخب الأول.
كما تحمل هويته العائلية ارتباطًا بنيجيريا، إذ ينحدر والده من مدينة ساكي بولاية أويو النيجيرية، بينما تنتمي والدته إلى بنين.
وقد عبّر اللاعب في مقابلة مع موقع Afrik-Foot عن طموحه في الوصول مستقبلًا إلى مستوى يسمح له بارتداء قميص المنتخب النيجيري الأول، المعروف باسم النسور الخضراء.
وحتى الآن، يظل هذا الطموح هدفًا شخصيًا لم يتحول إلى استدعاء رسمي.
وبين الجذور البنينية والامتداد العائلي النيجيري، يحمل عدنان قصة لاعب أفريقي يتطلع إلى بناء مستقبله عبر أكثر من حدود.
مايو 2026.. عندما تحولت كرة القدم من حلم يومي إلى معركة استعادة العافية
في مايو 2026، تعرض عدنان عزيز لقطع في الرباط الصليبي الأمامي للركبة اليمنى، وخضع لعملية جراحية بعد الإصابة.
كانت اللحظة قاسية بالنسبة إلى لاعب اعتاد أن تكون حياته مرتبطة بالتدريب والمباريات والتنقل بين الأندية.
فجأة، تغيرت الأولويات.
لم يعد الهدف اليومي هو الاستعداد للمباراة المقبلة، بل أصبح التركيز على العلاج والتأهيل واستعادة القوة والتوازن والثقة في الحركة.
وتُعد إصابات الرباط الصليبي من أبرز التحديات التي تواجه لاعبي كرة القدم، نظرًا لما تتطلبه العودة من عمل بدني ونفسي طويل.
ويعترف عدنان بأن المرحلة لم تكن سهلة، وأن لحظات الشك والتفكير في الابتعاد عن كرة القدم حضرت في بعض الأوقات.
لكن الرغبة في العودة ظلت أقوى من فكرة الاستسلام.
وهنا تظهر القيمة الحقيقية لهذه الحكاية؛ فالاختبار لم يعد مرتبطًا بما يستطيع اللاعب تقديمه خلال تسعين دقيقة، بل بما يستطيع تحمله خلال أشهر طويلة بعيدًا عن المنافسة.
العائلة.. السند الذي لا يظهر في إحصائيات المباريات
في الأوقات الصعبة، تتغير نظرة الإنسان إلى محيطه، ويصبح الدعم الحقيقي أكثر وضوحًا.
وبالنسبة إلى عدنان، كان وجود والديه وإخوته عنصرًا مهمًا في مواجهة المرحلة النفسية التي أعقبت الإصابة.
ويحظى اللاعب بدعم شقيقه الأصغر عزيز نازيفو، لاعب خط الوسط في نادي إيه إس بوليس بدوري الدرجة الثانية البنيني.
وتربط الشقيقين علاقة تتجاوز القرابة العائلية، إذ يتبادلان الخبرات والنصائح والطموحات المتعلقة بكرة القدم.
ويرى شقيقه في عدنان نموذجًا للإصرار والعمل، بينما يمثل دعم الأسرة أحد أهم مصادر القوة التي يعتمد عليها اللاعب خلال رحلة التأهيل.
ففي بعض اللحظات، لا يحتاج اللاعب إلى مدرجات ممتلئة أو تصفيق الجماهير، بل يحتاج إلى أشخاص يذكرونه بأنه لا يزال قادرًا على البدء من جديد.
الأرجنتين على خط المستقبل.. هل تكون المحطة القادمة في أمريكا الجنوبية؟
بينما يواصل عدنان مرحلة التعافي، تظهر إمكانية خوض تجربة جديدة في كرة القدم الأرجنتينية.
وقد ارتبط اسم نادي تشاكاريتا جونيورز بالخيارات المطروحة لمستقبل اللاعب، من خلال اتصالات يعمل عليها فاكوندو باتي.
لكن من المهم التأكيد أن الأمر لا يزال في إطار المساعي والاحتمالات، ولم يصدر إعلان رسمي يؤكد انتقال اللاعب أو توقيعه عقدًا مع النادي.
ومع ذلك، فإن طرح هذه الإمكانية يفتح أمام عدنان أفقًا جديدًا بعد سنوات من التجارب في الملاعب الأوروبية.
فالانتقال المحتمل إلى الأرجنتين قد يمنحه فرصة مختلفة، لكن أي خطوة مستقبلية تظل مرتبطة أولًا باستعادة جاهزيته البدنية.
يناير 2027.. هدف العودة وليس مجرد موعد على التقويم
يضع عدنان عزيز شهر يناير 2027 هدفًا مبدئيًا للعودة إلى المنافسة، بعد العملية الجراحية التي خضع لها في مايو 2026.
غير أن هذا الموعد يظل مرتبطًا بتطور حالته الصحية، ومدى استجابته لبرنامج التأهيل، وتقييم الفريق الطبي المسؤول عن حالته.
فالعودة الحقيقية لا تعني مجرد الركض أو لمس الكرة، وإنما استعادة القوة والسرعة والتوازن والقدرة على تغيير الاتجاهات والاحتكاك بالمنافسين.
ولهذا، فإن الأهم بالنسبة إلى اللاعب ليس العودة السريعة، بل العودة في الوقت المناسب وبالجاهزية المطلوبة.
عدنان عزيز.. لماذا تستحق هذه القصة أن تُروى؟
في عمر الرابعة والعشرين، يمتلك المهاجم البنيني تجربة تجمع بين ستة أندية وثلاث دول أوروبية، ورصيدًا يبلغ 155 مباراة وفق الإحصائيات المتاحة، إلى جانب مشاركاته الودية مع منتخب بنين تحت 23 عامًا.
لكن ما يجعل حكايته مختلفة ليس الأرقام وحدها.
إنها رحلة لاعب غادر مدينته بحثًا عن فرصة، وتعلم التأقلم مع بيئات مختلفة، وحاول أن يصنع لنفسه مكانًا في كرة القدم الأوروبية، قبل أن يجد نفسه أمام إصابة أجبرته على إعادة ترتيب أحلامه.
اليوم، لا يدعي عدنان أن الطريق أصبح سهلًا، ولا يقدم احتمالات المستقبل باعتبارها إنجازات تحققت بالفعل.
إنه يخوض مرحلة جديدة عنوانها الصبر والعمل والإيمان بإمكانية العودة.
قد تكون الأرجنتين محطته القادمة، وقد تقوده الظروف إلى وجهة أخرى، لكن الأولوية تظل واضحة: استعادة العافية والعودة إلى الملاعب.
من دجوجو إلى أوروبا، ومن تجربة بنين الدولية إلى معركة التعافي، يكتب عدنان عزيز فصلًا جديدًا من حكايته.
ففي كرة القدم، قد تتوقف المسيرة بسبب إصابة، وقد تتأخر الأحلام بسبب الظروف، لكن النهاية لا يحددها التوقف المؤقت.
أحيانًا، تبدأ أعظم معارك اللاعب في اللحظة التي يبتعد فيها عن الملعب.. وتصبح العودة هي الانتصار الذي يستحق أن تُروى قصته للعالم.
