" جريمة في جزيرة الماعز " بمكتبة الإسكندرية

  " جريمة في جزيرة الماعز " بمكتبة الإسكندرية
  " جريمة في جزيرة الماعز " بمكتبة الإسكندرية

   

 

 متابعة / هند حسن

قُــدِّم العرض المسرحى "جريمة فى جزيرة الماعز" على مسرح مكتبة الإسكندرية من إخراج الدكتور محمـد عبد المنعم المخرج المسرحى الشاب وأستاذ التمثيل والإخراج بقسم المسـرح جامعة الإسكندرية، وقد تناول المخرج هذا العرض برؤية إخراجية واعية تنطلق من فلسفة واضحة تنتصر للقيم والتقاليد الشرقية التى تلائم مجتمعاتنا العربية، وهى رؤية إبداعية تكشف عن مخرج مفكر له رأى ووجهة نظر، كما تكشف عن مخرج متمكن من أدواته الفنية والتقنية، وتختلف هذه الرؤية عن الرؤى الأخرى التى تناولت العرض نفسه على يد مخرجين سابقين من قبل، والعرض تميز من بين العروض المقدمة على مسرح المكتبة، ويستحق المشاهدة أكثر من مرة. تدور أحداث العرض حول ثلاث نساء يعشن  فى جزيرة معزولة عن العالم دون رجل يراعهم، وفى غمرة الوحدة والعزلة والاشتياق يقتحم عالمهم رجل متشرد يُسمى "أنجلو" يتوسل بالسبل كلها حتى يوقعهن فى حبال عشقه مستغلاً احتياجهن النفسى والجنسى إلى الرجل؛ وحين تكتشف النساء الثلاثة آلاعيبه الانتهازية وتعلم كل واحدة منهن أنه مارس الرزيلة مع الأخرى تثور عليه العمة "بيا"، وتغضب الأم "أجاتا"، وتحاول الفتاة "سلفيا" أن تقتله بمسدس أبيها انتقاماً منه؛ فيعلن أنه سيرحل لكنهن يتمسكن بوجوده بينهن ويرتضين أن يعشن معه على هذه الشاكلة، فيقرر أن يحتفل معهن بهذا الانتصار، وتنتهى الأحداث وفق رؤية أوجوبتى بأن أنجلو ينزل البئر ليجلب زجاجات الويسكى اللازمة للشراب والاحتفال فينفلت الحبل ويسقط معه فى البئر، فيظل أنجلو حبيساً بداخله لمدة ليلتين كاملتين حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة ويموت.

 

     كُتِبَت المسرحية عام 1948م أى منذ 75 عاماً مضت، وقد استهدف كاتبها الإيطالى أوجوبتى أن يعالج أجواء مابعد الحرب العالمية الثانية وآثارها المدمرة وانعكاساتها على النفوس، مصوراً التناقض الصادم بين الدول المنتصرة فى غطرستها وطغيانها، والدول المنهزمة المستضعفة فى خضوعها واستسلامها؛ ليدعو إلى إعادة النظر تجاه الضعفاء المنهزمين الذين يعيشون بلا أمل.

   

        

   لكن العرض فى هذه النسخة المعاصرة للمخرج دكتور محمـد عبد المنعم يتمرد على قضايا الحروب وويلاتها؛ إذ أدرك المخرج محمـد عبد المنعم بحس ذكى وفكر واعٍ أن قضية الحرب العالمية الثانية التى انتهت منذ زمن مضى لم تعُد تشغل اهتمام جمهور الألفية الثالثة، لاسيما ونحن فى عصر المعرفة الرقمية والسموات المفتوحة، عصر الحروب الفكرية والتكنولوجية والبيولوجية لاعصر الحروب النووية والعسكرية ؛ لذلك أراد أن يقترب بالعرض من هموم الجمهور المعاصر ويقدم له قضية إنسانية تتماس مع الواقع المعيش وتتحاور مع تركيبة المتلقى  المعاصر على المستوى الأيديولوجى والسيكولوجى والسوسيولوجى؛ ففضَّل أن يركز فى رؤيته الإخراجية على معالجة قضية إنسانية شمولية تخص الإنسان فى كل مكان وزمان ويمكن أن نجدها فى أى عصر؛ لذا استبعد رموز  الحرب وأجوائها السياسية وركز على معالجة  قضية العلاقة بين الرجل والمرأة والصراع الأبدى بينهما، وكذلك الصراع الأبدى بين المرأة والمرأة من أجل الاسئثار بالرجل. 

 

 

    وقد التزم المخرج المبدع دكتورمحمـد عبد المنعم - فى نص العرض الذى قدمه - بخصائص أسلوب الكتابة عند أوجوبتى الإيطالى، وحافظ عليها دون زيادة أو نقصان موظفاً عناصره الفنية من أشعار وديكور وملابس وإضاءة وحركة وتمثيل وموسيقى وألحان وغيرة فى خدمة رؤيته الإخراجية للعرض، وبلورة مقولاته الإنسانية، طارحاً وجهة نظر معارضة لفكر الكاتب لاسيما فى خاتمة العرض؛ إذ يصر أوجوبتى على أن يعيش أنجلو مع النساء الثلاثة بعد المكاشفة والمصارحة بين الجميع، وبعد علم النساء الثلاثة بأنه مارس مع كل واحدة منهن الرذيلة دون علم الآخريات، ويبارك الكاتب هذا الوضع بل يجعل أنجلو يحتفل معهن ويشرب الجميع نخب الاتفاق على هذه العيشة السعيدة، وكأنه يدعو بشكل رمزى متوارى أن تعيش الدول المهزومة كإيطاليا وأقرانها - وتمثلهم النساء الثلاثة - فى كنف المستعمر الغازى المنتصر ويمثله أنجلو.

 

   ومن منطق أن المخرج يعالج علاقة الرجل بالمرأة فقد رفض الجريمة الأخلاقية التى تجعل رجلاً غريباً يعيش على سرير واحد بشكل غير شرعى مع نساء وحيدات تربطهن صلة قرابة ونسب؛ فهذا ما لايتوافق مع فلسفة مجتمعاتنا الشرقية؛ لذلك أطلق المخرج صرخته المدوية  ومقولته الجريئة فى الختام؛ إذ رأى أن المرأة التى ترضى أن تُمتهن كرامتها وتوافق على وضع مسيئ كهذا يجمع فيه الرجل بينها وبين ابنتها وبين أخت زوجها على سرير واحد، وفى بيت واحد، وبعلم الجميع، يجب أن تُمسخ وتُنتَزَع منها آدميتها لتتحول إلى مسخ حيوانى، وأن الرجل الذى يسعى إلى ترسيخ وضع كهذا ضارباً عرض الحائط  بكل العادات والتقاليد والقيم والشرائع السماوية فيستحق أن يُمسخ ويتحول إلى صورة بوهيمية شيطانية مجردة من الإنسانية؛ لذلك ايتكر المخرج الواعى مشهداً مدهشاً تعبيرياً فى الختام تحوَّلت النساء الثلاثة بموجبه إلى نعاج أو عنزات تسير على أربع وتدور فى فلك أنجلو وتتمسح فى أقدامه، وتمأمئ فى شراهة واضحة تعبيراً عن الرغبة والتعطش للرجل، كما تحَوَّل أنجلو فى هذا المشهد إلى صورة بوهيمية سادية شيطانية لأنه أصبح - من وجهة نظر المخرج - مسخاً يستمتع بإذلال النساء ويتلذذ بامتهان كرامة المرأة؛ فالطرفان على خطأ ولايستحقون العيش بيننا.  وقد عالج المخرج هذا المشهد بأسلوب الجروتسك عبر توظيف أغنية صاخبة تهكمية ساخرة تثير تهكم المتلقى وسخريته من هذا الوضع المسيئ، وتعضد وجهة نطر الجمهور التى تتفق مع وجهة نظر المخرج؛ لذلك اهتزت الصالة تصفيقاً وصفيراً إعجاباً بهذا المشهد؛ فكان هذا التصفيق المدوى بمثابة اعتراف صريح من الجمهور بأن المخرج انتصر لقيمنا الشرقية، وأنصف العلاقة الطبيعية بين الرجل والمرأة التى فطرنا عليها؛ ومن ثم كان هذا المشهد الذى برع المخرج فى تقديمه بمثابة دعوة صريحة لنبذ هذه النماذج البشرية ورفضها.          

 

  عرض (جريمة فى جزيرة الماعز) تأليف الكاتب الإيطالى أوجوبتى، ترجمة الفنان الراحل سعد أردش، تمثيل طلاب قسم المسرح المتميزين (فيولا فايز فى دور الأرملة "أجاتا"، أميرة على فى دور العمة "بيا"، باسنت فتحى فى دور الإبنة "سلفيا"، وائل لاشين فى دور الوافد الغريب "أنجلو" )، العرض دراماتورج وأشعار ياسر أبو العينين، رؤية تشكيلية مهندس وليد السباعى، إضاءة إبراهيم الفرن، موسيقى وألحان محمـد شحاتة، كوريجراف محمـد صلاح، إعداد موسيقى وتنفيذ محمود فيشر، تصميم بوسترات ودعاية  أحمد نوفل، إدارة مسرحية محمود سعيد ومحمـد خميس طلاب قسم المسرح، مخرج مساعد محمـد الجوهرى وأحمـد فهمى طلاب قسم المسرح، العرض من إخراج المبدع الشاب دكتور محمـد عبد المنعم أستاذ التمثيل والإخراج بقسم المسـرح جامعة الإسكندرية.   

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق يحيها عمر محمود..جمعية أصدقاء الموسيقى والفنون تحتقى بذكرى العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ
التالى الإسكندرية تستقبل وفود "المتوسط".. وزيرة التنمية المحلية والبيئة ومحافظ الإسكندرية يصطحبان ممثلي "اتفاقية برشلونة" في جولة تاريخية بقلعة قايتباي

 
Get new posts by email: