إذا أردت أن تبحث عن "الروح" الحقيقية لمدينة الإسكندرية، فعليك أن تترك صخب الحداثة وتتجه نحو أقصى لسانها الممتد في قلب المتوسط؛ هناك حيث يربض حي "بحري" العتيق، الذي يختزل في شوارعه حكايات البحر، وصيحات الصيادين، وذكريات زمن لم يغادر الوجدان.

يمتد حي بحري ليربط بين مناطق الأنفوشي، والجمرك، والسيالة، وأبي العباس، مشكلاً أقدم أحياء الثغر وأكثرها عراقة.
هذا الحي الذي بدأ كمركز لتجمع الصيادين والبحارة، تحول بمرور الزمن إلى متحف مفتوح، يجمع بين النشاط التجاري اليومي في "حلقة السمك" وبين الهدوء الساحر للمراكب الراسية على الساحل.

لا يكتفي حي بحري برائحة اليود، بل يزهو بمعالم سطرت تاريخ المنطقة؛ فمن قلعة قايتباي التي شُيدت عام 1477 على أنقاض فنار الإسكندرية القديم، إلى مآذن مسجد المرسي أبي العباس التي تعانق السماء، تتجسد عظمة العمارة الإسلامية والحربية في بقعة واحدة.

كان حي بحري قديماً نموذجاً فريداً للتعايش "الكوزموبوليتاني"؛ حيث اختلطت دماء الصيادين المصريين بالجاليات اليونانية والإيطالية، مما أوجد مزيجاً نادراً في اللهجة السكندرية الأصيلة، وعادات الطعام، والحرف اليدوية. وتعد أكلات "الصيادية"، والسردين، والجمبري، والفسيخ، طقوساً لا تكتمل زيارة الحي بدونها، يتبعها المذاق الأسطوري لـ "الآيس كريم" و"الأرز باللبن" السكندري الشهير.

لم تغب "بحري" عن عيون المبدعين، فكانت البطل الصامت في روائع السينما والدراما. بلكوناتها القديمة وشوارعها الضيقة كانت مسرحاً لأفلام المخرج العالمي يوسف شاهين مثل "إسكندرية ليه" و"إسكندرية كمان وكمان"، كما خلدت مسلسلات مثل "زيزينيا" و"الراية البيضاء" سحر العيش بين جدرانها.

رغم تغير الزمن وزحف العمران الحديث، تظل "بحري" مدينة داخل المدينة؛ تعيش بين الأمواج والذكريات، وتهمس لكل عابر في أزقتها أن الإسكندرية ليست مجرد شاطئ، بل هي حكاية لا تنتهي، تبدأ دائماً من عند الصيادين.. من "بحري".
