عاصم صبحي يكتب....الاسكندرية عروس البحر المتوسط .. بين الماضي و الحاضر و المستقبل

عاصم صبحي يكتب....الاسكندرية عروس البحر المتوسط .. بين الماضي و الحاضر و المستقبل
عاصم صبحي يكتب....الاسكندرية عروس البحر المتوسط .. بين الماضي و الحاضر و المستقبل


"بتلوموني ليه ؟!" .. صيحة أطلقها الراحل العندليب عبد الحليم حافظ ، مندهشًا متسائلاً عن سبب لوم الناس عليه حبه لمعشوقته ، كذلك أنا ، أصبحت أتلقي اللوم علي حبي لمعشوقتي .. الاسكندرية .
و لسكندريتي فصول و حكايات لا تنتهي ، و من هذا المنطلق أفرد مقالي هذا .
تعتبر الاسكندرية درة البحر المتوسط و حلقة الوصل بين الشرق و الغرب ، مدينة حملت علي مر العصور هوية متعددة الأبعاد ، جمعت بين الأصالة و الانفتاح . تأسست علي يد الاسكندر الأكبر عام 331 ق.م ، لتصبح إحدي أعظم مدن العصر القديم ، و تحتفظ حتي اليوم بسحرها الخاص رغم التحولات العميقة التي شهدتها .
صمم الاسكندرية المهندس دينوقراطيس علي شكل رقعة شطرنج ، بتخطيط هيبودامي (شبكي) متقدم ؛ يقول المؤرخ سترابون في وصفه للمدينة :"شوارعها العريضة المتعامدة تسمح بمرور الرياح الشمالية المنعشة في كل أرجائها" .
كانت الأنظمة الإدارية في العصر البطلمي متطورة ، حيث قسم البطالمة المدينة إلي أحياء إثنية متخصصة ، و هو تنظيم أشار إليه المؤرخ فيلون السكندري في كتاباته عن الجالية اليهودية في الاسكندرية .
كانت مجتمعًا تعدديًا يجمع بين المصريين و اليونانيين و غيرهم ، يذكر المؤرخ مايكل هاو في كتابه "الاسكندرية تاريخ" :" أن التسامح النسبي سمح بتعايش المجتمعات المختلفة ، و إن لم يخلّ من التوترات بين الحين و الآخر " .
سيطرت علي التجارة البحرية في المتوسط ، و كانت ميناؤها من أهم مراكز التبادل التجاري العالمي ، كانت حلقة الوصل التجارية بين وادي النيل و عالم البحر المتوسط ، حيث تصدر 150000 طن من الحبوب سنويًا في ذروة ازدهارها .
ثقافيًا ، شكلت منارة الفكر العالمية بمكتبتها العظيمة ، العالم الكلاسيكي بيتر غرين وصفها قائلًا :"لم تكن مكتبة الاسكندرية مجرد مستودع للكتب ، بل كانت أول معهد أبحاث متعدد التخصصات في التاريخ " .
هكذا كان ماضيها ، أما حاليًا ، فالمدينة تعاني اليوم من اختلالات بنيوية حادة ، من ناحية الحكومة ، كانت هناك محاولات تطوير مثل مشروع "تطوير الكورنيش" في العقد الأول من الألفية ، لكن النقاد أشاروا إلي أن المشروع ركز علي الجانب الجمالي علي حساب معالجة المشاكل الهيكلية مثل الصرف الصحي و تخطيط المرور .
من ناحية أخري ، تقاعس الحكومة عن تنظيم العمران العشوائي ، حيث تشير إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة العامة و الإحصاء (2023) إلي أن 40% من مساحة الاسكندرية عمران عشوائي غير منظم . بالمقابل ، كان لمبادرة الحكومة "حياة كريمة" تأثير محدود في بعض العشوائيات .
أصبحت المدينة تتميز بتنوع مجتمعي أقل وضوحًا من الماضي ، سياسات الحكومة السكنية ، وفقًا لدراسة أجراها مركز البحوث الإجتماعية بجامعة الاسكندرية (2021) ، ساهمت في زيادة الفصل الاجتماعي عبر إنشاء مجتمعات سكنية مغلقة في الضواحي لفئة محددة ، مما عمق الفجوة الطبقية ، ناهيك عن ارتفاع معدلات الهجرة الداخلية إلي المدينة من محافظات الدلتا و الصعيد .
سياسات اللامركزية المحدودة ، رغم إنشاء هيئة تنمية الاسكندرية عام 1979 ، لم تمنح السلطة الكافية لاتخاذ القرارات المحلية ، حيث يشير بعض الخبراء الاقتصاديين إلي أن تركيز الاستثمارات الحكومية في القاهرة الكبري علي حساب المدن الثانية مثل الاسكندرية خلق تفاوتًا تنمويًا واضحًا .
من الناحية الإيجابية ، ساهمت الحكومة في تطوير ميناء الدخيلة ليصبح أحد أكبر الموانئ في افريقيا ، و تم إنشاء المنطقة الاقتصادية لقناة السويس التي فتحت فرصًا غير مباشرة للاسكندرية .
ما زالت المدينة تحتفظ بمكانة ثقافية متميزة ، فإن دعم الحكومة لمكتبة الاسكندرية كان عاملًا حاسمًا في بقائها مركزًا ثقافيًا إقليميًا . لكن تقليص الدعم المركزي للمراكز الثقافية المحلية أدي إلي تهميش العديد من المسارح التاريخية .
لا تخلو الآمال من مستقبل يعيد للمدينة هيبتها و رونقها في ظل رؤية للنهوض المتجدد ، فتجربة مشروع تطوير الساحل الشمالي الغربي يمكن أن تمتد ليشمل تطويرًا متكاملًا للمدينة ، الدور السلبي الذي لعبته قوانين التخطيط الحالية ، و التي توصف بأنها مجزأة و لا تتعامل مع المدينة كنظام متكامل ، يحتاج إلي مراجعة .
برامج وزارة التضامن الاجتماعي مثل "مشروع تنمية الأسرة المصرية" يمكن توسيعها في الاسكندرية لمعالجة الفقر المتزايد (الذي تصل نسبته إلي 30% في بعض الأحياء وفقًا لتقرير البنك الدولي 2022) .
خطة الحكومة "رؤية مصر 2030" تذكر الاسكندرية كمركز للاقتصاد الأزرق ، لكن تنفيذها بطيء ، المبادرة الإيجابية الأخيرة لإنشاء منطقة لوجستية حرة بجوار ميناء الدخيلة بشراكة أوروبية تبعث علي الأمل .
وزارة الثقافة أطلقت مبادرة "الاسكندرية عاصمة للثقافة المتوسطية" عام 2025 ، و هي خطوة إيجابية تحتاج إلي تمويل مستدام ، المعوق الحكومي يتمثل في البيروقراطية التي تعيق مشاريع المجتمع المدني الثقافية .
تمتلك الاسكندرية إمكانات هائلة تجعل مستقبلها مشرقًا إذا أحسن استغلالها ، المطلوب هو تعاون بين الحكومة و المجتمع المدني ، مع اعطاء أولوية لتطوير البنية التحتية و حماية التراث . النموذج الإيجابي لإدارة مدينة برشلونة في تحولها إلي عاصمة متوسطية ثقافية و اقتصادية يمكن أن يكون مصدر إلهام للاسكندرية .
مفتاح هذا التحول يكمن في التوازن بين التطور و الهوية ، بين الحداثة و التراث ، و بين الإنفتاح علي العالم و الحفاظ علي الخصوصية . بهذه الرؤية المتكاملة ، يمكن للاسكندرية أن تستعيد مكانتها كواحدة من عواصم البحر المتوسط الثقافية و الاقتصادية ، ليس بفضل الحكومة وحدها ، و لا رغمها ، بل بتعاون جميع أبنائها و محبيها .

 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى في عيد العمال...قيادة تلهم وسواعد تنجز ...إيهاب الفقي وفريقه نموذجا لصناعة النجاح في كهرباء الإسكندرية

معلومات الكاتب

 
Get new posts by email: