من الحقل إلى البطاقة .. دور الزراعة التعاقدية في استقرار السلع التموينية وتقليل الفاقد

من الحقل إلى البطاقة .. دور الزراعة التعاقدية في استقرار السلع التموينية وتقليل الفاقد
من الحقل إلى البطاقة .. دور الزراعة التعاقدية في استقرار السلع التموينية وتقليل الفاقد
في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية تقلبات غير مسبوقة في أسعار الغذاء وتتزايد فيه تداعيات التغيرات المناخية على الإنتاج الزراعي يبرز سؤال جوهري: كيف نضمن وصول رغيف الخبز وكيلو السكر وزجاجة الزيت إلى المواطن المصري بسعر عادل وجودة ثابتة؟ الإجابة لا تبدأ من المجمع الاستهلاكي بل تبدأ من الحقل ومن هنا جاءت أهمية *الزراعة التعاقدية* كأحد أهم الأدوات العلمية لربط الإنتاج بالاستهلاك وتحقيق الأمن الغذائي وتقليل الفاقد في كل حلقات السلسلة. فما هي الزراعة التعاقدية؟ الزراعة التعاقدية هي اتفاق مسبق ومكتوب بين جهة حكومية أو شركة متخصصة وبين المزارع يتم توقيعه قبل موسم الزراعة يحدد العقد بدقة: نوع المحصول و المساحة المنزرعةو المواصفات الفنية وسعر الضمان و وآليات الاستلام والتسليم. الهدف منها مزدوج فهى حماية المزارع من تقلبات السوق وضمان الدولة لتوفير احتياجاتها من المحاصيل الاستراتيجية لصالح منظومة السلع التموينية. *ثانياً: أزمة الفاقد.. الحلقة المفقودة في السلسلة* تشير التقديرات إلى أن مصر تفقد ما بين 25% إلى 40% من إنتاجها الزراعي قبل أن يصل للمستهلك. ويحدث هذا الفاقد في ٤ محطات رئيسية: *الحصاد والنقل*: بسبب الطرق البدائية وعدم وجود تبريد. *التخزين*: نتيجة الاعتماد على شون ترابية بدلاً من الصوامع المطورة. *حلقات التداول*: كثرة الوسطاء ترفع السعر وتقلل الجودة. *الرفض في الاستلام*: بسبب عدم مطابقة المحصول للمواصفات. هذا الفاقد لا يضيع هباء بل يتحمله المواطن في صورة أسعار أعلى وتتحمله الدولة في صورة فاتورة استيراد أضخم. و هنا نطرح سؤال كيف تسد الزراعة التعاقدية فجوة الفاقد؟ الزراعة التعاقدية لا تضيف فداناً جديداً لكنها تعيد هندسة السلسلة بالكاملعن طريق : تخطيط مسبق قائم على البيانات بدلاً من الزراعة العشوائية يتم تحديد احتياجات وزارة التموين من القمح والسكر والزيت قبل الموسم بعام ويتم التعاقد على هذه الكميات فتكون النتيجة لا فائض يفسد ولا عجز نلجأ على أثره للاستيراد بأسعار مرتفعة. جودة موحدة من المصدر حيث يلتزم المزارع بحزمة فنية محددة مثل : أصناف مقاومة و مواعيد ريو برنامج تسميد ويصاحب ذلك إرشاد زراعي مكثف. فتكون النتيجة محصول يطابق مواصفات الاستلام بنسبة تتجاوز ٩٥% مما يقلل المرتجعات والخسائر. لوجستيات مباشرة من الحقل للصومعة يتم تجميع المحصول من الحقل مباشرة إلى الصوامع والمراكز المتطورة التابعة للجهة المتعاقدة و يتم الاستلام بالميزان الإلكتروني والتحليل الفوري. هذا يلغي دور من ٣ إلى ٤ وسطاء ويخفض فاقد النقل والتخزين لأقل من ٣%. تصنيع وتوزيع مرتبط بالبطاقة التموينية ينتقل القمح مباشرة للمطاحن التموينية والسكر للمصانع ثم إلى المجمعات الاستهلاكية و يكون السعر محدد سلفاً والكمية مضمونة لا مجال للمضاربة. نماذج ناجحة على الأرض المصرية لم تعد الزراعة التعاقدية فكرة نظرية. فموسم توريد القمح 2024 - 2025 شهد تطبيقاً واسعاً لنظام سعر الضمان والتعاقد المسبق ما أدى إلى زيادة ملحوظة في الكميات الموردة وتقليل الاعتماد على الاستيراد. كما يتم تطبيق النموذج بنجاح في محصولي قصب السكر وبنجر السكر، حيث تتعاقد المصانع مع المزارعين على كامل الإنتاج مما يضمن انتظام ضخ سلعة السكر التمويني على مدار العام. والتجربة تتوسع الآن لتشمل الذرة الصفراء بهدف توفير الأعلاف وبالتالي خفض تكلفة الإنتاج الحيواني والداجني وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار اللحوم والبيض في المنافذ التموينية. التحديات وسبل المواجهة رغم النجاحات لا يزال أمامنا ٣ تحديات رئيسية و هى : *بناء الثقة*: من خلال الالتزام بالسداد الفوري للمزارع عبر القنوات البنكية. *استكمال البنية التحتية*: بالتوسع في إنشاء الصوامع الحقلية ومراكز التجميع بالقرب من مناطق الإنتاج. *الربط الرقمي*: بإنشاء منصة موحدة تربط بيانات الحيازة الزراعية ببيانات مستفيدي التموين للتنبؤ الدقيق بالاحتياجات. *خاتمة: من سياسة الدعم إلى سياسة الضمان* "من الحقل إلى البطاقة" هي نقلة من سياسة الدعم الى سياسة الضمان و من سياسة رد الفعل إلى سياسة التخطيط والضمان فالزراعة التعاقدية تحول المزارع من مجرد منتج إلى شريك استراتيجي في منظومة الأمن الغذائي. ولضمان نجاح التجربة والتوسع فيها أقترح: أولا : تعميم التعاقد على المحاصيل الزيتية والخضر الاستراتيجية. ثانيا: ربط التعاقد بحزمة حوافز تشمل الأسمدة المدعمة والتأمين على المحصول. ثالثا: إطلاق حملة إعلامية لتوعية المزارع بأن العقد هو مظلة حماية له ولأسرته وللاقتصاد القومي. فاستقرار السلع التموينية لا يبدأ بقرار في المخزن بل يبدأ ببذرة في الأرض وبعقد يضمن أن هذه البذرة ستصل في النهاية إلى مستحق الدعم... بأقل فاقد وأعلى كفاءة. -

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق حنان يوسف: زيارة ولي العهد السعودي لمصر تعكس عمق العلاقات التاريخية والشراكة الاستراتيجية بين البلدين

معلومات الكاتب

 
Get new posts by email: